السمارة تحت نيران التصعيد الرمزي: قراءة جيوستراتيجية في تحولات السلوك العسكري لجبهة البوليساريو وتداعياته على معادلة النزاع الإقليمي

بوشعيب البازي

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتقاطع فيه الحراك الدبلوماسي الدولي مع تحولات عميقة في موازين القوة بشمال إفريقيا والساحل، عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة التوتر الميداني بعد الهجوم بالمقذوفات الذي استهدف محيط مدينة السمارة انطلاقاً من المنطقة الواقعة شرق الجدار الأمني، في عملية تبنتها جبهة البوليساريو بشكل رسمي، وقدمتها ضمن خطابها التعبوي باعتبارها “ضربة نوعية”، في حين تكشف المعطيات الميدانية أن الأمر يتعلق بعملية محدودة الأثر العسكري، لكنها محمّلة برسائل سياسية تتجاوز طبيعتها التكتيكية المباشرة.

الهجوم، الذي أسفر عن إصابة مدنية بجروح بليغة وأضرار مادية محدودة، لا يمكن قراءته فقط من زاوية الحدث الأمني المعزول، بل يجب وضعه ضمن السياق الأشمل للتحولات التي يعرفها النزاع، خصوصاً في ظل التسارع الملحوظ للمبادرات الدولية الهادفة إلى إعادة إطلاق مسار التسوية السياسية، بقيادة أمريكية باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

منطق “الإزعاج العملياتي” بدل الحسم العسكري

من الناحية العسكرية البحتة، لا يحمل هذا الهجوم أي قيمة عملياتية مؤثرة في ميزان القوى على الأرض. المقذوفات الثلاث التي سقطت في مناطق متفرقة من محيط السمارة—أمام المؤسسة السجنية، وخلفها، ثم بالقرب من منطقة “اكويز”—لم تستهدف منشآت قيادة أو مواقع ذات أهمية استراتيجية، ولم تؤثر على البنية الدفاعية أو اللوجستية للقوات المسلحة الملكية، ما يجعل العملية أقرب إلى ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ”عمليات الإزعاج التكتيكي” (Harassment Fire)، وهي تكتيكات تلجأ إليها الأطراف التي تعاني من اختلال هيكلي في ميزان القوة.

هذا النمط من العمليات لا يهدف إلى تغيير الوقائع الميدانية بقدر ما يسعى إلى إنتاج أثر نفسي وإعلامي، سواء تجاه الخصم أو تجاه الحاضنة الداخلية. ولذلك، فإن سرعة إعلان البوليساريو مسؤوليتها عن الهجوم، مرفوقاً بخطاب دعائي تحدث عن “خسائر كبيرة”، يعكس حاجة تنظيمية متزايدة إلى الحفاظ على تماسك الخطاب التعبوي داخل مخيمات تندوف، أكثر مما يعكس امتلاك قدرة هجومية مؤثرة.

في هذا السياق، تبدو قراءة الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد دقيقة حين اعتبر أن ما قامت به الجبهة يمثل “سلوكاً تعويضياً يعكس اختلالاً بنيوياً في ميزان القوة”. فالفاعلون الذين يفقدون القدرة على فرض الوقائع الاستراتيجية غالباً ما يلجؤون إلى إنتاج ضجيج تكتيكي منخفض الكلفة، لكنه مرتفع المخاطر السياسية.

توقيت الهجوم… الرسالة قبل المقذوف

ما يمنح هذا التطور بعده الأخطر ليس طبيعة المقذوفات أو حجم الأضرار، بل توقيته السياسي والعسكري. فالعملية جاءت بالتزامن مع انطلاق مناورات “الأسد الأفريقي”، أكبر تمرين عسكري متعدد الجنسيات تقوده القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بشراكة مع القوات المسلحة الملكية المغربية، وهي مناورات لم تعد مجرد تمرين ميداني، بل أصبحت منصة استراتيجية لإعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.

في المقابل، يتزامن الحدث أيضاً مع دينامية دبلوماسية متسارعة تقودها واشنطن لإعادة تنشيط مسار التسوية السياسية للنزاع، على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.

هذا التزامن ليس عرضياً. ففي علم الصراعات غير المتكافئة، غالباً ما تلجأ الأطراف التي تشعر باقتراب تحولات سياسية غير مواتية إلى خلق “أحداث تشويش ميداني” بهدف إعادة إدخال نفسها في معادلة التفاوض من بوابة التوتر الأمني.

بمعنى آخر، لا تبدو الرسالة موجهة إلى المغرب بقدر ما هي موجهة إلى الوسطاء الدوليين: “لا يمكن تجاوزنا في أي تسوية”. غير أن هذه المقاربة تحمل، في السياق الحالي، مخاطر معاكسة، لأنها قد تعزز داخل العواصم المؤثرة القناعة بأن الفاعل الذي يستخدم المدنيين كورقة ضغط يفقد تدريجياً شرعيته السياسية.

التحول في البيئة الدولية… تقلص هامش المناورة

ما يجعل هذا النوع من التصعيد أكثر كلفة على البوليساريو اليوم مقارنة بالماضي هو التغير العميق الذي طرأ على البيئة الدولية المحيطة بالنزاع. فمنذ الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، مروراً بتوسيع شبكة الدعم الأوروبي والإفريقي لمبادرة الحكم الذاتي، وصولاً إلى التحولات الجارية داخل الأمم المتحدة بشأن مستقبل بعثة “المينورسو”، باتت الجبهة تتحرك داخل هامش سياسي أضيق من أي وقت مضى.

في المقابل، استطاع المغرب خلال السنوات الأخيرة أن ينقل النزاع من مربع “تصفية الاستعمار” إلى مربع “الأمن الإقليمي والاستقرار الجيوسياسي”، وهو تحول مفاهيمي بالغ الأهمية داخل المؤسسات الدولية.

وبالتالي، فإن أي هجوم يستهدف محيطاً مدنياً، حتى وإن كان محدود الأثر، لا يُقرأ فقط كفعل عسكري، بل كاختبار سياسي لمدى التزام الأطراف بقواعد الاشتباك ومسارات التسوية.

الجزائر… الطرف الغائب الحاضر

يصعب، من منظور جيوستراتيجي، فصل هذه التطورات عن البيئة الحاضنة للجبهة. فاستمرار إطلاق المقذوفات من مناطق تقع ضمن المجال الحدودي الذي تتحرك فيه البوليساريو يعيد طرح مسؤولية الجزائر، ليس فقط باعتبارها داعماً سياسياً ولوجستياً، بل باعتبارها طرفاً مركزياً في معادلة الأمن الإقليمي.

ومع تصاعد الانخراط الأمريكي في الملف، تصبح الجزائر أمام معادلة أكثر تعقيداً: إما الانخراط في منطق التسوية السياسية الذي يتبلور دولياً، أو الاستمرار في إدارة نزاع باتت كلفته الاستراتيجية تتجاوز الحسابات الثنائية التقليدية.

نحو نهاية مرحلة؟

حادثة السمارة، رغم محدوديتها العملياتية، تكشف حقيقة أعمق: النزاع يدخل مرحلة انتقالية قد تكون الأكثر حسماً منذ عقود. فكلما اقتربت المبادرات الدولية من بلورة حل سياسي قابل للتنفيذ، ارتفعت وتيرة محاولات التشويش الميداني من الأطراف التي تدرك أن معادلات الأمس لم تعد صالحة.

لكن في عالم تحكمه اليوم اعتبارات الأمن الجماعي، والطاقة، وربط إفريقيا بالممرات الأطلسية الجديدة، لم يعد الضجيج التكتيكي كافياً لتغيير مسار التاريخ.

وإذا كان الهجوم على السمارة قد نجح في إثارة الانتباه لساعات، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع المقذوفات المحدودة تعطيل دينامية دولية بدأت ترسم بالفعل ملامح ما بعد النزاع؟

كل المؤشرات القادمة من واشنطن، ومن داخل مجلس الأمن، ومن العواصم الأوروبية، توحي بأن الجواب بات أقرب إلى النفي من أي وقت مضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com