بين العزلة الدبلوماسية والانفصال الوظيفي: كيف وصلت بوليساريو إلى لحظة الاصطدام مع التحول الجيوستراتيجي في ملف الصحراء المغربية؟
بوشعيب البازي
في لحظة إقليمية ودولية تتسم بإعادة تشكيل موازين النفوذ، لم تعد قضية الصحراء المغربية تُقرأ فقط باعتبارها نزاعًا إقليميًا عمره نصف قرن، بل أصبحت مختبرًا حقيقيًا لفهم تحولات الشرعية الدولية، وإعادة تعريف مفهوم السيادة في سياق دولي يتجه أكثر فأكثر نحو منطق الحلول الواقعية بدل الأطروحات الإيديولوجية الجامدة. وفي هذا السياق، جاءت الرسالة التي بعث بها زعيم جبهة بوليساريو، إبراهيم غالي، إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لتكشف – ربما لأول مرة بهذا الوضوح – حجم الارتباك الاستراتيجي الذي باتت تعيشه الجبهة، وهي تواجه واقعًا دوليًا لم يعد يترك مساحة كبيرة للمشاريع الانفصالية غير القابلة للحياة.
الرسالة، في مضمونها السياسي، لم تكن مجرد احتجاج على موجة التضامن الدولي الواسع مع المغرب عقب الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة، بل شكلت، من حيث لا تقصد، إقرارًا سياسيًا بخرق وقف إطلاق النار، واعترافًا ضمنيًا بأن الجبهة اختارت العودة إلى منطق التصعيد العسكري في لحظة دولية تتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ أي نحو تثبيت الحل السياسي الواقعي تحت مظلة الأمم المتحدة.
ما يجعل هذه الرسالة ذات دلالة جيوسياسية عميقة، ليس مضمونها فقط، بل توقيتها أيضًا. فهي جاءت في وقت تتبلور فيه قناعة دولية متزايدة بأن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية سنة 2007 لم يعد مجرد مبادرة تفاوضية، بل أصبح قاعدة عمل دبلوماسي تحظى بتأييد متنامٍ من قوى دولية وازنة، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، إلى جانب عدد متزايد من الدول العربية والأفريقية والأوروبية.
هذا التحول لا يعكس فقط نجاحًا دبلوماسيًا مغربيًا، بل يعبر عن تغير عميق في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع النزاعات الترابية. فالعالم اليوم، المثقل بتحديات الأمن الطاقي، والهجرة، والإرهاب العابر للحدود، لم يعد مستعدًا لاحتضان مشاريع انفصالية تفتقد إلى الشرعية الاجتماعية والقدرة المؤسساتية، ولا تملك مقومات الدولة القابلة للاستمرار.
من حركة تحرير إلى أداة وظيفية
حين تأسست جبهة بوليساريو سنة 1973، لم تكن تحمل في خطابها الأول أي مشروع انفصالي بالمعنى الذي نعرفه اليوم. فقد نشأت، وفق وثائق التأسيس الأولى، كحركة مقاومة ضد الاستعمار الإسباني في الساقية الحمراء ووادي الذهب، بقيادة مجموعة من الشباب الصحراوي المغربي الذين تلقى أغلبهم تكوينهم السياسي والفكري داخل المؤسسات التعليمية المغربية، وشارك بعضهم في الحركية الطلابية الوطنية داخل جامعة محمد الخامس وداخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
لكن ما بدأ كحركة تحرر وطني، سرعان ما دخل في مسارات التوظيف الإقليمي خلال سبعينيات القرن الماضي، في سياق الحرب الباردة والصراعات الإيديولوجية في شمال أفريقيا. ومع تصاعد التنافس الإقليمي بين المغرب والجزائر، تحولت الجبهة تدريجيًا من فاعل سياسي ناشئ إلى ورقة استراتيجية داخل العقيدة الجيوسياسية للرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، الذي أدرك مبكرًا أن خلق كيان سياسي معادٍ للمغرب جنوبًا يمكن أن يشكل أداة ضغط طويلة الأمد، تسمح بإعادة رسم التوازنات الإقليمية، وإضعاف الامتداد الأطلسي للمملكة.
هكذا، لم تعد بوليساريو تتحرك وفق منطق تقرير المصير بقدر ما أصبحت تتحرك داخل منطق “الوظيفة الجيوسياسية”. وهو انتقال خطير، لأن الحركات التي تفقد استقلالية قرارها السياسي، تتحول مع الزمن من حركات تعبئة شعبية إلى كيانات بيروقراطية مرتبطة ببقاء النزاع أكثر من ارتباطها بحله.
المسيرة الخضراء… نقطة التحول التاريخية
حين أطلق الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1975 المسيرة الخضراء، لم يكن الأمر مجرد مبادرة شعبية رمزية، بل كان مناورة جيوسياسية فائقة الذكاء أعادت تعريف قواعد اللعبة في المنطقة. فقد نجحت المسيرة في نقل ملف الصحراء من مربع المواجهة العسكرية إلى مربع الشرعية الشعبية والدبلوماسية، وأغلقت فعليًا الباب أمام أي إمكانية واقعية لفرض كيان انفصالي على الأرض.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل المغرب في مشروع طويل النفس لبناء شرعية تنموية ومؤسساتية داخل أقاليمه الجنوبية، وهو المشروع الذي تسارع بشكل لافت في عهد الملك محمد السادس، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، والموانئ، والطاقة المتجددة، والربط الأفريقي، ما جعل الصحراء المغربية تتحول تدريجيًا من منطقة نزاع إلى منصة استراتيجية تربط أوروبا بأفريقيا جنوب الصحراء.
بوليساريو في مواجهة الزمن الدولي الجديد
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، تجد بوليساريو نفسها أمام معادلة غير مسبوقة: خطابها السياسي لم يعد قادرًا على جذب دعم دولي مؤثر، وسرديتها التاريخية لم تعد تقنع حتى جزءًا من حلفائها التقليديين، بينما يتوسع الاعتراف الدولي بوجاهة الطرح المغربي.
الأخطر من ذلك أن الجبهة باتت تواجه عزلة متعددة المستويات: دبلوماسية، وإعلامية، وحتى رمزية. فعدم دعوتها إلى عدد من المحافل الدولية ذات الصلة بالشراكات الأفريقية–الأوروبية لم يعد مجرد تفصيل بروتوكولي، بل مؤشر على تراجع قيمتها الوظيفية داخل التوازنات الدولية الجديدة.
في المقابل، يواصل المغرب تثبيت حضوره باعتباره فاعلًا إقليميًا موثوقًا في ملفات الأمن، والهجرة، والاستثمار، والطاقة، وهو ما يمنحه رأسمالًا سياسيًا يجعل شركاءه الدوليين أكثر اقتناعًا بأن استقرار المنطقة يمر عبر دعم وحدته الترابية.
ما بعد الوهم الانفصالي
إذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الحركات التي تنفصل عن شروط نشأتها الأصلية، وتفقد صلتها بقاعدتها الاجتماعية، تجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام خيارين: إما التلاشي، أو إعادة التموضع.
وبالنسبة لبوليساريو، فإن مشروع الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب لا يمثل فقط حلًا للنزاع، بل قد يشكل أيضًا فرصة أخيرة لإعادة الاندماج السياسي داخل فضاء وطني قادر على استيعاب الاختلاف، وتحويل منطق المواجهة إلى منطق المشاركة.
إن الصحراء المغربية لم تعد اليوم مجرد قضية حدود، بل أصبحت عنوانًا لتحول استراتيجي أوسع في شمال أفريقيا. وفي هذا التحول، يبدو أن التاريخ يتحرك بسرعة أكبر من قدرة الخطابات الانفصالية على اللحاق به. وبين الجغرافيا التي لا ترحم، والسياسة الدولية التي تعترف فقط بالمشاريع القابلة للحياة، تجد بوليساريو نفسها أمام سؤال وجودي لم يعد بالإمكان تأجيله: هل تستمر كأداة في نزاع استنفد مبرراته، أم تعود إلى جذورها الأولى، وتختار أن تكون جزءًا من المستقبل بدل البقاء أسيرة سردية فقدت سندها في الواقع؟