بعد السمارة… تحوّل في هندسة المواقف الدولية أم بداية إعادة تعريف نزاع الصحراء؟
بوشعيب البازي
في العلاقات الدولية، لا تُقاس خطورة الأحداث فقط بحجمها الميداني، وإنما أيضاً بطبيعة ردود الفعل التي تولّدها داخل مراكز القرار الدولي. هذا ما كشفته بوضوح التطورات الأخيرة المرتبطة بالهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، والذي أعاد ملف الصحراء إلى واجهة النقاش الأممي والدبلوماسي، لكن هذه المرة ضمن سياق دولي مختلف، يتسم بتحولات عميقة في مفهوم الأمن الإقليمي، وإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
الهجوم الذي نُسب إلى جبهة البوليساريو لم يُقرأ دولياً باعتباره حادثاً معزولاً أو تطوراً ميدانياً محدود التأثير، بل اعتُبر مؤشراً على إمكانية انزلاق النزاع نحو مستويات جديدة من التوتر في منطقة تعيش أصلاً على وقع اختلالات أمنية متزايدة، تمتد من الساحل الإفريقي إلى غرب المتوسط. لذلك، جاءت ردود الفعل الدولية سريعة، واضحة، وحاملة لرسائل سياسية تتجاوز مجرد الإدانة الظرفية.
في هذا السياق، برز موقف ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، باعتباره الأكثر دلالة من الناحية السياسية. فحين يؤكد أن “الوقت ليس للتصعيد العسكري بل للحوار والتفاوض”، فإنه لا يوجه رسالة إلى الأطراف المعنية فقط، بل يضع المجتمع الدولي أمام معادلة جديدة: إما تثبيت المسار السياسي، أو مواجهة خطر انتقال النزاع من نزاع مجمّد إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي.
هذا الموقف الأممي لم يكن معزولاً، إذ عززته تصريحات ستيفان دوجاريك، الذي شدد على ضرورة العودة إلى وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية. وهي رسالة تعكس قناعة متزايدة داخل المنظومة الأممية بأن أي انزلاق عسكري جديد في الصحراء لن يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي التقليدي، بل قد يتقاطع مع شبكات التهديد العابرة للحدود، من الإرهاب إلى التهريب والهجرة غير النظامية.
غير أن التطور الأكثر أهمية لا يكمن فقط في الإدانات الأممية، بل في التموقع المتقارب للقوى الغربية الكبرى. فالولايات المتحدة، التي رسخت خلال السنوات الأخيرة مقاربة أكثر وضوحاً تجاه النزاع، اعتبرت أن الهجوم يمثل عرقلة مباشرة لمسار السلام، وأعادت التذكير بأن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، من خلال القرار 2797، يكرّس مقترح الحكم الذاتي باعتباره إطاراً واقعياً وعملياً للتسوية.
هذه الإشارة ليست تقنية أو بروتوكولية، بل تحمل بعداً استراتيجياً عميقاً. فمن منظور واشنطن، لم يعد نزاع الصحراء مجرد ملف تصفية استعمار كما كان يُقدم خلال عقود الحرب الباردة، بل أصبح جزءاً من هندسة الأمن الأطلسي الإفريقي، حيث يحتل المغرب موقعاً محورياً في معادلات مكافحة الإرهاب، وضبط المجال البحري، وتأمين سلاسل الإمداد الطاقي والغذائي بين إفريقيا وأوروبا.
في الاتجاه نفسه، جاءت مواقف الاتحاد الأوروبي أكثر وضوحاً من السابق. فقد دعا سفير الاتحاد الأوروبي لدى المغرب إلى إدانة الهجوم والتشبث بالحل السياسي وفق قرارات مجلس الأمن، مع الإشارة الصريحة إلى واقعية مبادرة الحكم الذاتي المغربية. وهي لغة دبلوماسية لم تكن مألوفة بهذا القدر من المباشرة داخل الخطاب الأوروبي قبل سنوات.
هذا التحول الأوروبي لا يمكن فصله عن المتغيرات الجيوسياسية التي تعرفها الضفة الجنوبية للمتوسط. فمع تراجع الاستقرار في منطقة الساحل، وتصاعد التنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا، باتت العواصم الأوروبية تنظر إلى المغرب ليس فقط كشريك اقتصادي أو أمني، بل كفاعل استراتيجي قادر على ضمان التوازن الإقليمي في محيط مضطرب.
أما الموقف الفرنسي، فجاء أكثر حسماً، حين اعتبرت باريس أن الهجوم يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، مجددة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي دائم. ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي، وتأثيره التقليدي في الملفات المغاربية والإفريقية.
وفي السياق ذاته، حملت تصريحات ليام فوكس بعداً أمنياً لافتاً، عندما وصف الهجمات بأنها أعمال إرهابية تهدد الاستقرار الإقليمي. ورغم أن التصريح لا يصدر عن مؤسسة حكومية حالية، فإنه يعكس توجهاً متنامياً داخل دوائر التفكير الاستراتيجي البريطانية والأطلسية، يقوم على الربط بين النزاعات المجمدة والتنظيمات غير النظامية التي تستثمر في الفراغات الأمنية.
القراءة الجيوستراتيجية لهذه المواقف تقود إلى استنتاج مركزي: المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع قضية الصحراء بمنطق “إدارة النزاع”، بل بدأ تدريجياً في الانتقال نحو منطق “حسم النزاع ضمن إطار واقعي”. وهذا التحول يمنح المبادرة المغربية زخماً إضافياً، خاصة في ظل اتساع دائرة الاعتراف الدولي بجدواها السياسية وقابليتها للتطبيق.
في المقابل، يجد خصوم هذا المسار أنفسهم أمام معادلة أكثر تعقيداً. فكل لجوء إلى التصعيد الميداني لا يؤدي فقط إلى فقدان التعاطف الدولي، بل يسرّع أيضاً عملية إعادة تصنيف الفاعلين وفق معايير الأمن الدولي الجديدة، حيث لم تعد الشرعية السياسية منفصلة عن الالتزام بالاستقرار الإقليمي.
بعد أحداث السمارة، يبدو أن ملف الصحراء دخل مرحلة مختلفة، لم تعد تُحسم فيها المعارك بالخطابات الإيديولوجية أو حسابات الحرب الباردة، بل بموازين القوة الدبلوماسية، وشرعية المشاريع السياسية، والقدرة على تقديم نموذج للاستقرار داخل بيئة إقليمية تعيش واحدة من أكثر مراحلها هشاشة منذ عقود.