درب غلف بين الذاكرة الشعبية ورهانات المدينة الذكية: هل تنجح الدار البيضاء في إعادة اختراع أشهر “جوطية” بالمغرب؟
حنان الفاتحي
في قلب التحولات العمرانية والاقتصادية التي تعيشها مدينة الدارالبيضاء ، يعود ملف “جوطية درب غلف” إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره أكثر من مجرد مشروع لإعادة تهيئة سوق شعبي قديم، بل باعتباره اختبارا حقيقيا لقدرة المدينة على التوفيق بين منطق التحديث الحضري والحفاظ على الذاكرة الاجتماعية والاقتصادية لأحد أشهر الفضاءات التجارية بالمغرب.
فالقرار المرتقب لمجلس جماعة الدار البيضاء بشأن استكمال مسطرة نزع الملكية وإطلاق مشروع إعادة الهيكلة، يفتح مرحلة جديدة في تاريخ فضاء ظل لعقود يشكل جزءا من الهوية الاقتصادية للعاصمة الاقتصادية، ليس فقط باعتباره سوقا شعبيا، بل باعتباره منظومة اقتصادية موازية صنعت لنفسها مكانة خاصة داخل النسيج الحضري المغربي.
لقد تحول درب غلف، منذ نشأته الأولى، من فضاء بسيط لبيع السلع المستعملة إلى مركز تجاري غير رسمي ذي دينامية عالية، يستقطب يوميا آلاف الزوار والمهنيين والباحثين عن الإلكترونيات والهواتف وقطع الغيار والأثاث والمنتجات التقنية بأسعار تنافسية. ومع مرور الزمن، أصبح السوق يعكس شكلا خاصا من الاقتصاد الحضري غير المهيكل، القائم على المرونة، والقدرة على التكيف، وسرعة الاستجابة لتحولات الاستهلاك والتكنولوجيا.
غير أن هذا النمو العفوي ترافق، في المقابل، مع اختلالات بنيوية متراكمة، تتعلق أساسا بضعف البنية التحتية، وغياب شروط السلامة، وتكرار حوادث الحرائق والسرقات، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بالتنظيم العقاري والتدبير الحضري. ومن هنا، بدأت فكرة إعادة الهيكلة تفرض نفسها تدريجيا كضرورة عمرانية وأمنية واقتصادية.
لكن خصوصية مشروع درب غلف تكمن في كونه لا يتعلق بإزالة فضاء تجاري وتعويضه بآخر حديث، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المدينة وفضاءاتها الشعبية. فالرهان المطروح اليوم أمام السلطات المحلية لا يقتصر على بناء “مول” جديد بمواصفات عصرية، وإنما يتعلق أساسا بالحفاظ على الروح الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من “الجوطية” مؤسسة شعبية قائمة بذاتها.
في هذا السياق، تبدو الرسائل الصادرة عن المنتخبين والمسؤولين المحليين محاولة لطمأنة التجار والمهنيين، خاصة بعد التأكيد المتكرر على أن المشروع سيحافظ على “طابع الجوطية” وهويتها التاريخية. وهو ما أكده عبد الصادق مرشد، كاتب مجلس جماعة الدار البيضاء ورئيس مقاطعة المعاريف، حين شدد على أن الهدف ليس القضاء على الفضاء التجاري، بل تثمينه وإعادة هيكلته ضمن مركب تجاري وخدماتي حديث.
هذا الخطاب يعكس تحولا مهما في المقاربة الحضرية داخل المغرب، حيث بدأت مشاريع التأهيل العمراني تتجاوز منطق “الإزالة والتعويض” نحو مفهوم “إعادة الإدماج الحضري”، القائم على المحافظة على الذاكرة الجماعية والوظائف الاجتماعية للأحياء والأسواق التقليدية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التصورات النظرية للمشروع، بل في كيفية تنزيله ميدانيا. فالتجار، الذين يعيش آلاف منهم بشكل مباشر أو غير مباشر من الأنشطة المرتبطة بدرب غلف، لا يرفضون مبدأ التحديث، بل يطالبون بضمانات واضحة تتعلق بالاستمرارية المهنية وعدم تحويل المشروع إلى عملية إقصاء اقتصادي مقنع تحت عنوان العصرنة.
ويبدو هذا التخوف مشروعا بالنظر إلى تجارب سابقة عرفتها بعض المدن العربية والأفريقية، حيث أدت مشاريع إعادة الهيكلة إلى طرد الفئات الهشة من الفضاءات التجارية التقليدية لصالح استثمارات عقارية وتجارية موجهة لفئات أكثر قدرة شرائية، ما تسبب في تفكيك شبكات اقتصادية واجتماعية ظلت لعقود تشكل جزءا من التوازن الحضري للمدينة.
ومن هنا، فإن نجاح مشروع درب غلف لن يقاس فقط بجمالية البنايات الجديدة أو حداثة المرافق، بل بقدرته على الحفاظ على الوظيفة الاجتماعية للسوق، وضمان استمرارية النشاط التجاري، ودمج التجار الحاليين داخل المشروع الجديد دون المساس باستقرارهم الاقتصادي.
كما أن المشروع يطرح، في العمق، سؤالا أكبر يتعلق بمستقبل الأسواق الشعبية داخل المدن المغربية الكبرى. فمع صعود المراكز التجارية الحديثة وتغير أنماط الاستهلاك، تجد الفضاءات التقليدية نفسها أمام ضغوط متزايدة تدفعها إما إلى التحديث أو التراجع التدريجي. غير أن التجارب الدولية تظهر أن الأسواق التاريخية التي نجحت في البقاء لم تكن تلك التي تخلت عن هويتها، بل تلك التي استطاعت تحويل خصوصيتها الثقافية والاجتماعية إلى عنصر قوة داخل الاقتصاد الحضري الحديث.
وفي هذا الإطار، يمتلك درب غلف كل المقومات ليصبح نموذجا مغربيا لما يسمى بـ”التحديث المحافظ”، أي تحديث البنية دون القضاء على الذاكرة، وإدماج التكنولوجيا والتنظيم العصري دون تحويل الفضاء إلى نسخة مكررة من المراكز التجارية المغلقة التي فقدت في كثير من الأحيان علاقتها بالمدينة وسكانها.
لقد ظلت “الجوطية” لعقود فضاء يعكس روح الدار البيضاء نفسها: مدينة صاخبة، متنوعة، مفتوحة على كل الفئات، وقادرة على إنتاج اقتصادها الخاص خارج القوالب التقليدية. ولذلك، فإن أي مشروع لإعادة تشكيل هذا الفضاء لا يمكن أن ينجح بمنطق الهندسة المعمارية وحدها، بل يحتاج إلى رؤية حضرية شاملة تدرك أن المدن لا تبنى بالإسمنت فقط، بل أيضا بالذاكرة والعلاقات الاجتماعية والرمزية الجماعية.
وبين طموح بناء واجهة تجارية حديثة، ومطلب الحفاظ على روح المكان، يقف درب غلف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن يتحول إلى نموذج حضري متوازن يجمع بين الحداثة والأصالة، أو أن يفقد، تحت ضغط الاستثمار والعصرنة، تلك الروح الشعبية التي جعلت منه واحدا من أكثر الفضاءات التجارية حضورا في الذاكرة المغربية الجماعية.