طاولة مستديرة لجمعية Droit et Devoir تجمع مثقفين ومسؤولين مغاربة وبلجيكيين في اليوم المنتوازي للثقافة المغربي
سومية العلكي
في زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات تُدير الاقتصاد، وتُعيد تشكيل المعرفة، وتقتحم تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي ترفًا فكريًا أو موضوعًا محصورًا داخل مختبرات التكنولوجيا الكبرى، بل تحول إلى قضية مجتمعية وثقافية وسياسية تفرض نفسها على المؤسسات والجمعيات والشركات وحتى على النقاشات المدنية داخل أوروبا وخارجها. ومن هذا المنطلق، جاءت الطاولة المستديرة التي نظمتها جمعية Droit et Devoir، ضمن فعاليات “اليوم المنتوازي للثقافة المغربية”، لتفتح نقاشًا عميقًا حول التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المجتمعات الحديثة، ودوره المتنامي داخل المؤسسات والجمعيات والفضاءات الاقتصادية والثقافية.
اللقاء، الذي عرف حضور نخبة من المثقفين والطلبة والفاعلين الجمعويين، إلى جانب مسؤولين مغاربة وبلجيكيين، شكّل لحظة فكرية مميزة لتبادل الرؤى حول مستقبل الإنسان في عصر الرقمنة المتسارعة. كما شهد مشاركة أسماء أكاديمية ومدنية بارزة، من بينها البروفيسور محمد السكوري، وإيميلي ليسير ، إضافة إلى ممثلين عن جمعية MolenGeek، المعروفة بانخراطها في دعم الابتكار الرقمي وإدماج الشباب في الاقتصاد التكنولوجي.

وخلال هذا النقاش، برزت أسئلة جوهرية تتعلق بموقع الذكاء الاصطناعي داخل المجتمع المعاصر، وحدود تأثيره على الإنسان، سواء داخل الإدارة العمومية أو في عالم المقاولات والجمعيات المدنية. فاليوم، لم تعد الشركات تعتمد فقط على اليد العاملة التقليدية، بل أصبحت الخوارزميات جزءًا من عملية اتخاذ القرار، وتحليل المعطيات، وتطوير الخدمات، بل وحتى من هندسة العلاقات مع الزبائن والمستخدمين. وهو ما يفرض، بحسب المتدخلين، إعادة التفكير في مفهوم العمل نفسه، وفي طبيعة الكفاءات المطلوبة داخل سوق الشغل الجديد.
كما تطرق المشاركون إلى الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الجمعوية، حيث باتت العديد من المنظمات تستخدم الأدوات الرقمية لتحسين التواصل، وتوسيع دائرة التأثير، وتحليل الاحتياجات الاجتماعية بشكل أكثر دقة. غير أن هذا التطور، رغم إيجابياته، يثير أيضًا تحديات أخلاقية وثقافية، خاصة فيما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، ومحاربة الأخبار الزائفة، وضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى أداة لإقصاء الفئات الهشة أو تعميق الفوارق الاجتماعية.

ولعل أبرز ما ميز هذه الطاولة المستديرة هو الطابع الإنساني للنقاش، إذ لم يتم تقديم الذكاء الاصطناعي كـ”معجزة تقنية” فقط، بل كتحول حضاري يفرض على المجتمعات إعادة تعريف علاقتها بالمعرفة والهوية والثقافة. فالمسألة، كما عبّر عنها بعض المتدخلين، لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل بكيفية الحفاظ على البعد الإنساني داخل عالم تحكمه السرعة والبيانات والآلات الذكية.
كما شدد المشاركون على ضرورة إدماج الشباب في هذا التحول الرقمي، ليس فقط كمستهلكين للتكنولوجيا، بل كفاعلين ومنتجين لها. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أهمية التكوين، وتشجيع المبادرات الجمعوية والتربوية التي تمنح الأجيال الجديدة أدوات الفهم والإبداع داخل البيئة الرقمية الجديدة، بدل الاكتفاء بدور المتلقي.
اللقاء عكس أيضًا أهمية الحوار الثقافي المغربي البلجيكي في مواكبة التحولات العالمية، خصوصًا في ظل تنامي حضور الكفاءات المغربية داخل مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي بأوروبا. كما أظهر أن الجالية المغربية ببلجيكا لم تعد فقط جزءًا من النقاشات الاجتماعية التقليدية المرتبطة بالاندماج أو الهوية، بل أصبحت منخرطة بشكل فعلي في النقاشات المستقبلية المتعلقة بالابتكار والذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية الكبرى.
وفي النهاية، بدا واضحًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية قادمة من المستقبل، بل أصبح واقعًا يوميًا يعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد والثقافة. وبين المخاوف المشروعة والآفاق الواعدة، يبقى التحدي الحقيقي هو قدرة الإنسان على توجيه هذه الثورة الرقمية نحو خدمة القيم الإنسانية، وضمان أن يظل التقدم التكنولوجي أداة للتحرر والتنمية، لا وسيلة جديدة لإنتاج التفاوت والعزلة.