واشنطن تُشدد لهجتها: ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة جيوستراتيجية جديدة
بوشعيب البازي
بعيدًا عن لغة البيانات الدبلوماسية التقليدية والعبارات الأممية المكررة، تكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأميركية بشأن الصحراء المغربية عن تحول عميق في مقاربة واشنطن لهذا النزاع الإقليمي الممتد منذ عقود. فالكلمات التي اختارها السفير الأميركي لدى المغرب، Richard Duke Buchan، عقب لقائه بالممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة المينورسو Alexander Ivanko، لا تعكس مجرد انزعاج ظرفي من تعثر المفاوضات، بل تعبر عن إعادة تموقع إستراتيجي أميركي تجاه ملف بات يُنظر إليه داخل دوائر القرار في واشنطن باعتباره جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي في شمال أفريقيا والساحل.
فالإدارة الأميركية لم تعد تكتفي بالدعوة العامة إلى “ضبط النفس” أو “استمرار الحوار”، بل باتت تُحمّل جبهة البوليساريو بشكل مباشر مسؤولية عرقلة المسار السياسي، خصوصًا بعد الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة، والتي قوبلت بإدانة أميركية واضحة وغير مسبوقة من حيث الصياغة السياسية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن وكأنها انتقلت من موقع “الوسيط الحذر” إلى موقع “الفاعل الضاغط” الساعي إلى فرض تسوية سياسية واقعية، تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسها العملي الوحيد القابل للتنفيذ. فتصريحات ريتشارد ديوك بوكان، التي شددت على أن السلام يتطلب “شركاء مستعدين للتفاوض من أجل مستقبل أفضل”، حملت في طياتها رسالة واضحة إلى البوليساريو والجزائر مفادها أن مناخ الحرب والاستنزاف لم يعد مقبولًا في الحسابات الأميركية الجديدة.
هذا التحول ليس معزولًا عن السياق الجيوسياسي الدولي الراهن. فمنطقة الساحل والصحراء تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر البؤر هشاشة على المستوى الأمني، في ظل تمدد الجماعات المتطرفة، وتصاعد شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، وتزايد التنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا. وفي خضم هذه التحولات، باتت واشنطن تنظر إلى الاستقرار المغربي باعتباره ركيزة أساسية لضبط التوازنات الإقليمية.
ومن هنا تكتسب قضية الصحراء بعدًا يتجاوز النزاع الترابي التقليدي، لتصبح جزءًا من معادلة الأمن الأطلسي والمتوسطي. فالولايات المتحدة تدرك أن استمرار الوضع الحالي يفتح المجال أمام مزيد من الهشاشة الجيوسياسية في فضاء مغاربي يعاني أصلًا من انقسامات حادة وشلل شبه كامل لمؤسسات العمل الإقليمي المشترك.
اللافت في التطورات الأخيرة أن الإدارة الأميركية تبدو أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن خيار الاستفتاء، الذي طُرح خلال تسعينيات القرن الماضي، أصبح غير قابل للتطبيق سياسيًا وديمغرافيًا وعمليًا. وهو الطرح نفسه الذي بدأ يتكرر داخل مراكز التفكير الأميركية المؤثرة، وعلى رأسها Stimson Center، الذي اعتبر أن ملف الصحراء يمثل حجر الزاوية في السياسة الخارجية المغربية، وأن الرباط نجحت في تحويله إلى أولوية إستراتيجية في علاقاتها الدولية.
وفي المقابل، تزداد عزلة جبهة البوليساريو تدريجيًا داخل المشهد الدولي، خاصة بعد اعتراف ما يسمى بـ”وزير خارجيتها بوجود جولات تفاوض غير معلنة جرت بين الجبهة والمغرب في كل من واشنطن ومدريد، تحت رعاية أميركية وأممية. هذا الاعتراف، رغم محاولة تقديمه كجزء من مسار تفاوضي عادي، يحمل دلالة سياسية عميقة، لأنه يؤكد عمليًا أن مقترح الحكم الذاتي المغربي أصبح محور النقاش الحقيقي داخل الكواليس الدبلوماسية الدولية.
كما أن الإشارات المتزايدة داخل الكونغرس الأميركي بشأن إمكانية تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية تضيف مزيدًا من الضغط على الجبهة الانفصالية وعلى الجزائر الداعمة لها. ورغم أن هذا السيناريو لا يزال في إطار النقاش السياسي ولم يتحول بعد إلى قرار رسمي، فإن مجرد تداوله داخل المؤسسات الأميركية يعكس حجم التحول الذي تعرفه المقاربة الأميركية للنزاع.
وفي العمق، تبدو واشنطن مقتنعة بأن الجزائر ليست مجرد “دولة مجاورة” للنزاع، بل طرف رئيسي في معادلاته السياسية والعسكرية والدبلوماسية. وهو ما تؤكده تحليلات عدد من الباحثين المغاربيين، من بينهم نبيل الاندلوسي ، الذي يرى أن هناك شبه إجماع أميركي، جمهوريًا وديمقراطيًا، على دعم الطرح المغربي باعتباره الحل الأكثر واقعية وقدرة على ضمان الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الجولة الأخيرة التي قام بها المسؤول الأميركي Christopher Landau بين الرباط والجزائر باعتبارها محاولة لإعادة تحريك المسار السياسي قبل المراجعة المقبلة لمهام بعثة المينورسو داخل مجلس الأمن.
غير أن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من مجمل هذه التحركات هي أن الولايات المتحدة لم تعد تقبل بإدارة النزاع بمنطق “الجمود الدائم”. فواشنطن، التي أعادت ترتيب أولوياتها الجيوسياسية في أفريقيا والمتوسط، باتت ترى أن تسوية ملف الصحراء المغربية أصبحت ضرورة أمنية وإستراتيجية، وليست مجرد قضية دبلوماسية مؤجلة.
وفي ظل هذا التحول، يبدو المغرب اليوم في موقع قوة دبلوماسية غير مسبوق، بعدما نجح خلال السنوات الأخيرة في ربط قضية الصحراء بمنطق الاستقرار الإقليمي والشراكات الدولية، بدل اختزالها في نزاع حدودي تقليدي. وهي معادلة تمنح الرباط أفضلية واضحة داخل التحولات الدولية المتسارعة التي تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة المغاربية والأفريقية.