المغرب والأردن: عندما تصطدم متانة العلاقات الدبلوماسية بحساسية الثوابت السيادية
بوشعيب البازي
في عالم العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الشراكات الاستراتيجية فقط بحجم التفاهمات السياسية والاقتصادية والأمنية، بل أيضاً بمدى احترام كل طرف للثوابت الوطنية والسيادية للطرف الآخر. وفي هذا السياق، أثارت الملاحظة المسجلة يوم الأحد 7 يونيو 2026، والمتعلقة بنشر خريطة للمملكة المغربية مبتورة من أقاليمها الجنوبية في مجلة الخطوط الجوية الأردنية، تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز اليقظة الدبلوماسية تجاه القضايا المرتبطة بالوحدة الترابية للمغرب، رغم العلاقات التاريخية المتينة التي تجمع الرباط وعمّان.
لطالما شكلت العلاقات المغربية الأردنية نموذجاً للاستقرار والتنسيق داخل الفضاء العربي. فالمملكتان تتقاسمان رؤية متقاربة تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية، كما يجمعهما نظامان ملكيان يتمتعان بخصوصية تاريخية ودينية وسياسية عززت من متانة الروابط الثنائية على مدى عقود.

وتتجاوز العلاقة بين الملك محمد السادس والملك عبد الله الثاني بن الحسين الأبعاد البروتوكولية التقليدية، إذ تستند إلى الاحترام المتبادل والتشاور المستمر بشأن مختلف القضايا العربية والإقليمية. وقد انعكس هذا التقارب في المواقف المشتركة بشأن مكافحة الإرهاب، والدفاع عن استقرار المنطقة، ودعم القضية الفلسطينية، فضلاً عن التنسيق داخل المحافل الدولية حول قضايا التنمية والأمن الإقليمي.
غير أن قضية الصحراء المغربية تظل بالنسبة للمملكة المغربية قضية وجود وسيادة، وليست مجرد ملف سياسي قابل للتفاوض أو التأويل. فمنذ عقود، جعل المغرب من الدفاع عن وحدته الترابية أولوية مطلقة في سياسته الخارجية، معتبراً أن أي مساس بهذه الثوابت يمثل تجاوزاً للخطوط الحمراء التي تحكم علاقاته الدولية.

وفي هذا الإطار، فإن ظهور خريطة غير مكتملة للمغرب في منشور تابع لمؤسسة وطنية أردنية، حتى وإن كان نتيجة خطأ تقني أو تحريري غير مقصود، يستوجب التعامل معه بالجدية اللازمة التي تفرضها حساسية الموضوع لدى الدولة المغربية والرأي العام الوطني.
إن قوة العلاقات الثنائية لا تعني التغاضي عن مثل هذه الوقائع، بل على العكس، فإن عمق الشراكة الاستراتيجية يقتضي معالجة هذه الإشكالات في إطار من الصراحة والاحترام المتبادل. فالدبلوماسية الحديثة لا تقوم فقط على إدارة الأزمات الكبرى، بل أيضاً على معالجة التفاصيل الرمزية التي تحمل أبعاداً سيادية وهوياتية عميقة.
ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري أن تضطلع السفارة المغربية في عمّان بدورها في لفت انتباه الجهات المعنية في الأردن إلى أهمية تحري الدقة عند التعامل مع الخرائط والوثائق المتعلقة بالمملكة المغربية. كما أن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج مطالبة بمواصلة جهودها الاستباقية في التواصل مع المؤسسات الدولية والإقليمية والشركات الناقلة والهيئات الإعلامية لتفادي تكرار مثل هذه الحالات.
ولا ينبغي تفسير مثل هذه الخطوات باعتبارها تشدداً دبلوماسياً، بل باعتبارها ممارسة سيادية طبيعية تتبناها جميع الدول دفاعاً عن وحدتها الترابية ورموزها الوطنية. فالمغرب، الذي حقق خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية مهمة بشأن قضية الصحراء، مدعو إلى تعزيز آليات اليقظة المؤسساتية لمواكبة هذه التحولات وضمان انسجام مختلف الفاعلين الدوليين مع الواقع القانوني والسياسي الجديد الذي كرسته الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء.
وفي المقابل، فإن المملكة الأردنية الهاشمية، التي تجمعها بالمغرب علاقات أخوية واستراتيجية راسخة، تدرك جيداً حساسية هذه القضية بالنسبة للشعب المغربي ومؤسساته. ومن شأن المعالجة السريعة والمسؤولة لمثل هذه الهفوات أن تعزز منسوب الثقة المتبادلة، وتؤكد متانة العلاقات الثنائية التي صمدت أمام مختلف التحولات الإقليمية والدولية.
إن العلاقات المغربية الأردنية أكبر وأعمق من أن تتأثر بخطأ تحريري أو تقني، لكنها في الوقت ذاته تقوم على احترام الثوابت الوطنية لكل دولة. وإذا كان المغرب يؤمن بأهمية التضامن العربي والعمل المشترك، فإنه يظل ثابتاً في موقفه الذي لا يقبل أي مساومة بشأن وحدته الترابية.
لقد أثبتت التجربة الدبلوماسية المغربية أن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يتعارض مع الحفاظ على علاقات الأخوة والشراكة، بل إن الوضوح في القضايا المصيرية يشكل أساساً لعلاقات دولية أكثر صلابة واستدامة. ومن هنا، فإن معالجة هذه الواقعة في إطار دبلوماسي هادئ ومسؤول ستساهم في تعزيز مسار التعاون المغربي الأردني، بما يخدم المصالح الاستراتيجية المشتركة للمملكتين الشقيقتين.
وفي زمن أصبحت فيه الرموز والخرائط جزءاً من معارك الشرعية والسيادة في العلاقات الدولية، يبقى اليقظ الدبلوماسي ضرورة استراتيجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية تعتبرها المملكة المغربية جوهر هويتها الوطنية وخيارها الاستراتيجي غير قابل للتفاوض.
:::