مقتل لحبيب ولد محمد عبدالعزيز: بين التحولات العسكرية وصراعات الخلافة داخل البوليساريو
بوشعيب البازي
يشكل مقتل لحبيب ولد محمد عبدالعزيز، أحد أبرز القيادات الصاعدة داخل جبهة البوليساريو، حدثاً مفصلياً يتجاوز في دلالاته البعد العسكري المباشر، ليطرح أسئلة عميقة حول مستقبل التوازنات الداخلية داخل التنظيم الانفصالي، وحول طبيعة التحولات التي تشهدها معادلة الصراع في الصحراء المغربية في ظل التطور المتسارع للقدرات الاستخباراتية والتكنولوجية المغربية.
فبحسب المعطيات المتداولة، قُتل لحبيب ولد محمد عبدالعزيز إثر استهداف مركبة رباعية الدفع كانت تقله رفقة عناصر أخرى شرق الجدار الأمني، وهي المنطقة التي باتت خلال السنوات الأخيرة مجالاً شديد الحساسية من الناحية العملياتية، بالنظر إلى المراقبة المستمرة التي تفرضها القوات المسلحة الملكية عبر منظومات الاستطلاع والطائرات المسيرة.
التحول التكنولوجي في إدارة الصراع
منذ سنوات، انتقلت إدارة النزاع في الصحراء من منطق المواجهة التقليدية إلى نمط جديد يعتمد على التفوق المعلوماتي والاستخباراتي. فقد أظهرت العمليات العسكرية الأخيرة أن التحركات الميدانية شرق الجدار الأمني أصبحت تخضع لمراقبة دقيقة تسمح برصد الأهداف عالية القيمة واستهدافها في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، لم يعد وجود قيادات عسكرية أو سياسية بارزة داخل المنطقة العازلة مجرد تحرك ميداني عادي، بل أصبح قراراً محفوفاً بمخاطر استراتيجية كبيرة، خاصة بالنسبة للشخصيات التي تمثل ثقلاً تنظيمياً أو مرشحة للعب أدوار قيادية مستقبلاً.
ويبرز مقتل لحبيب ولد محمد عبدالعزيز باعتباره مؤشراً إضافياً على التحول العميق الذي تشهده طبيعة الصراع، حيث أصبحت التكنولوجيا العسكرية عاملاً حاسماً في إعادة رسم موازين القوة على الأرض، وتقليص هامش المناورة أمام قيادات البوليساريو.
رجل الخلافة الذي لم يصل إلى خط النهاية
لم يكن لحبيب ولد محمد عبدالعزيز مجرد قائد عسكري داخل الجبهة الانفصالية. فالرجل يحمل إرثاً سياسياً وعائلياً استثنائياً بحكم كونه نجل محمد عبدالعزيز، الذي قاد البوليساريو لأكثر من أربعة عقود قبل وفاته سنة 2016.
وخلال السنوات الأخيرة، تمكن لحبيب من تعزيز موقعه داخل هياكل التنظيم، حيث تقلد عدة مناصب حساسة شملت عضوية الأمانة الوطنية، وهيئة الأركان، والإشراف على التكوين العسكري، قبل أن يتولى قيادة اللواء الأول الميداني. كما أن حضوره المتنامي داخل الدوائر العسكرية والأمنية جعله اسماً متداولاً بقوة ضمن قائمة المرشحين المحتملين لخلافة إبراهيم غالي مستقبلاً.
هذا المعطى يمنح للحادث أبعاداً سياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في ظل حالة الاستقطاب التي تعرفها الجبهة منذ سنوات، نتيجة تباين الرؤى بين أجنحة تدعو إلى الحفاظ على البنية التقليدية للتنظيم وأخرى تطمح إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخله.
صراعات كامنة داخل التنظيم
يرى عدد من الباحثين في الشؤون الأمنية أن مقتل شخصية بحجم لحبيب ولد محمد عبدالعزيز لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الذي تعيشه البوليساريو. فالتنظيم يواجه منذ سنوات تحديات مرتبطة بإشكالية تجديد النخب وغياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد القيادة الحالية.
وفي هذا الإطار، تبرز فرضيات متعددة بشأن الخلفيات غير المباشرة للواقعة، خاصة أن وجود مسؤول بارز في منطقة معروفة بخطورتها العملياتية يثير تساؤلات حول طبيعة القرار الذي أدى إلى تحركه في ذلك التوقيت وفي تلك الظروف.
ورغم غياب أي معطيات رسمية تسمح بتأكيد فرضيات معينة، فإن النقاشات الدائرة داخل الأوساط المتابعة للشأن الصحراوي تعكس حجم التوترات المرتبطة بملف الخلافة ومستقبل القيادة داخل الجبهة، وهو ملف ظل يؤجل لسنوات لكنه يعود اليوم بقوة إلى واجهة الأحداث.
توقيت حساس ورسائل متعددة
تكتسب الحادثة أهمية إضافية بالنظر إلى تزامنها مع زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، إلى مخيمات تندوف في إطار جولة إقليمية تهدف إلى إحياء المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه القضية الصحراوية تحولات دبلوماسية متسارعة، مع تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع، وفق ما تؤكده قرارات مجلس الأمن المتعاقبة.
وفي ظل هذه المتغيرات، يبدو أن البوليساريو تجد نفسها أمام تحديين متوازيين: الأول يتعلق بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي في مرحلة تتزايد فيها المنافسة بين مراكز النفوذ، والثاني يرتبط بمدى قدرتها على التكيف مع واقع إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة في مقاربة ملف الصحراء.
نحو مرحلة جديدة؟
يصعب الجزم بالانعكاسات المباشرة لمقتل لحبيب ولد محمد عبدالعزيز على مستقبل الجبهة الانفصالية، غير أن المؤكد هو أن الحدث يشكل خسارة نوعية لإحدى الشخصيات التي كانت تمثل جسراً بين الجيل التاريخي المؤسس والقيادات الصاعدة داخل التنظيم.
كما يكشف الحادث عن واقع استراتيجي جديد بات يفرض نفسه على الأرض، عنوانه الرئيسي أن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي أصبح عاملاً حاسماً في إدارة النزاعات منخفضة الحدة، وأن هامش التحرك المتاح أمام الفاعلين غير الدولتيين يتقلص بشكل متزايد أمام تطور وسائل الرصد والاستهداف.
وبينما تتواصل المشاورات الأممية بحثاً عن أفق سياسي للنزاع، تبدو البوليساريو أمام مرحلة دقيقة قد تعيد تشكيل خريطتها الداخلية وتوازناتها القيادية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الميدانية والدبلوماسية على حد سواء، ما يجعل من حادثة مقتل لحبيب ولد محمد عبدالعزيز أكثر من مجرد واقعة عسكرية عابرة، بل محطة كاشفة لتحولات أعمق تشهد القضية الصحراوية برمتها.
:::