حنان رحاب تفتح ملفات المغرب الاجتماعي: من أزمة التشغيل إلى إصلاح مدونة الأسرة
بوشعيب البازي
في لحظة سياسية واجتماعية تتسم بتزايد الانتظارات الشعبية واحتدام النقاش حول فعالية السياسات العمومية، اختارت القيادية الاتحادية والفاعلة الإعلامية حنان رحاب أن تخرج إلى الفضاء العمومي عبر حوار مطول مع منصة “حوارات شبابية”، واضعة على طاولة النقاش جملة من القضايا التي تشغل الرأي العام المغربي، من التشغيل والحماية الاجتماعية إلى إصلاح مدونة الأسرة ومستقبل الإعلام الوطني.
ولم يكن الحوار مجرد استعراض لمواقف سياسية أو قراءة ظرفية للأحداث، بل شكل مناسبة لطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النموذج التنموي المغربي، ومدى قدرته على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يشهدها المغرب في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
التشغيل… التحدي الأكبر للدولة الاجتماعية
أكدت حنان رحاب خلال الحوار أن قضية التشغيل لا يمكن اختزالها في الأرقام والمؤشرات الظرفية، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، أثارت ملف “شركات المناولة” التي أصبحت حاضرة بقوة في قطاعات عديدة، معتبرة أن النقاش يجب أن يتجاوز منطق توفير فرص العمل إلى ضمان شروط العمل اللائق والاستقرار المهني والحماية الاجتماعية للعمال.
وتنسجم هذه المقاربة مع التحولات التي تشهدها العديد من الدول التي أصبحت تربط بين التنمية الاقتصادية وجودة مناصب الشغل، باعتبار أن النمو الاقتصادي غير المصحوب بإدماج اجتماعي حقيقي قد يؤدي إلى تعميق الفوارق بدل تقليصها.
اقتصاد الرعاية… الاعتراف بالعمل غير المرئي
ومن بين أبرز القضايا التي توقفت عندها حنان رحاب، مسألة الدعم المباشر والحاجة إلى إدماج مفهوم “اقتصاد الرعاية” ضمن السياسات الاجتماعية للدولة.
ويقوم هذا المفهوم على الاعتراف بالقيمة الاقتصادية والاجتماعية للأعمال التي تقوم بها النساء داخل الأسر، خصوصاً ربات البيوت اللواتي يساهمن بشكل يومي في استقرار الأسرة والمجتمع دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على وضعيتهن الاقتصادية.
ويعتبر عدد من الخبراء أن هذا النقاش يعكس تحولات عميقة تعرفها السياسات الاجتماعية الحديثة، التي لم تعد تقتصر على محاربة الفقر والهشاشة، بل أصبحت تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الإنتاج والقيمة داخل المجتمع.
السكن اللائق ورهانات العدالة المجالية
كما تطرقت حنان رحاب إلى ملفات إعادة الإيواء والسكن اللائق، خاصة ما يتعلق بمشاريع إعادة الهيكلة الحضرية في الرباط، ومنها المحج الملكي وحي المحيط.
ويعكس هذا النقاش إشكالية أوسع تتعلق بالتوازن بين متطلبات تحديث المدن وتحسين جاذبيتها الاقتصادية من جهة، وضمان الحقوق الاجتماعية للسكان من جهة أخرى.
ففي التجارب الدولية الناجحة، لم تعد مشاريع التجديد الحضري تقاس فقط بجودة البنيات التحتية التي تنتجها، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على النسيج الاجتماعي وضمان استفادة السكان الأصليين من ثمار التنمية الحضرية.
الأمن الغذائي وأسئلة الحكامة
وفي ما يخص أزمة أسعار أضاحي العيد، أثارت حنان رحاب قضية التباين بين بعض المعطيات الرسمية والواقع الذي يعيشه المواطنون، معتبرة أن تدبير الملفات المرتبطة بالأمن الغذائي يتطلب مزيداً من الشفافية والوضوح.
ويأتي هذا النقاش في سياق عالمي يتسم بارتفاع أسعار المواد الأولية وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي، ما يجعل الأمن الغذائي أحد أبرز عناصر السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين.
مدونة الأسرة… بين الإصلاح والتحديث
احتلت مراجعة مدونة الأسرة حيزاً مهماً من الحوار، حيث شددت حنان رحاب على ضرورة مواصلة الإصلاحات المرتبطة بحماية النساء والأطفال، خاصة في ما يتعلق بزواج القاصرات والاستفادة من الخبرة الجينية في بعض القضايا الأسرية.
ويأتي هذا النقاش في إطار ورش وطني واسع يحظى باهتمام ملكي ومجتمعي كبير، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين المرجعية الوطنية للمغرب ومتطلبات التطور الاجتماعي والحقوقي.
الإعلام الوطني في مواجهة الثورة الرقمية
بحكم تجربتها الإعلامية، لم تغفل حنان رحاب التوقف عند التحديات التي تواجه الصحافة المغربية في عصر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.
وأكدت أن مستقبل الإعلام الوطني يرتبط بقدرته على إنتاج محتوى مهني وموثوق يحافظ على دوره في تأطير النقاش العمومي ومواجهة الأخبار الزائفة، في وقت أصبحت فيه المعلومة جزءاً من معادلات الأمن الثقافي والمعرفي للدول.
نحو نقاش وطني أكثر عمقاً
يكشف الحوار الذي أجرته حنان رحاب أن المغرب يعيش مرحلة مفصلية تتطلب إعادة التفكير في عدد من السياسات العمومية، ليس فقط من منظور تدبير الأزمات، بل من زاوية بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
فالقضايا المرتبطة بالتشغيل، والحماية الاجتماعية، والسكن، والإصلاح القانوني، والإعلام، لم تعد ملفات قطاعية منفصلة، بل أصبحت عناصر مترابطة ضمن مشروع مجتمعي أوسع يسعى إلى ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي هذا السياق، يظل النقاش العمومي الجاد والمسؤول، الذي تدعو إليه أصوات سياسية وإعلامية من قبيل حنان رحاب، أحد الشروط الأساسية لمواكبة التحولات التي يعرفها المغرب واستشراف تحدياته المستقبلية.