ملحمة كروية جديدة تقود المغرب إلى ربع نهائي كأس العالم: عندما تتحول كرة القدم إلى رافعة للقوة الناعمة المغربية
بوشعيب البازي
لم يكن تأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم، عقب فوزه المستحق على نظيره الكندي بثلاثة أهداف دون رد، مجرد محطة رياضية جديدة في مسيرة “أسود الأطلس”، بل شكل امتدادًا لمشروع كروي متكامل نجح في ترسيخ مكانة المغرب ضمن نخبة كرة القدم العالمية. وبينما احتفت الجماهير بهذا الإنجاز داخل المملكة وخارجها، برزت دلالات أعمق تؤكد أن كرة القدم المغربية أصبحت اليوم إحدى أبرز أدوات الحضور الاستراتيجي للمغرب على الساحة الدولية.
في مدينة هيوستن الأمريكية، قدم المنتخب المغربي عرضًا كرويًا متكاملًا جمع بين الانضباط التكتيكي والنجاعة الهجومية والصلابة الدفاعية. وافتتح عز الدين أوناحي مهرجان الأهداف بتسديدة محكمة مع بداية الشوط الثاني بعد تنفيذ مميز لركلة حرة من أشرف حكيمي، قبل أن يعود اللاعب نفسه في الدقيقة الثانية والثمانين ليوقع هدفه الشخصي الثاني إثر عمل فردي رائع لبراهيم دياز. وفي الوقت بدل الضائع، وضع سفيان رحيمي بصمته بإحراز الهدف الثالث، مؤكدًا تفوق منتخب بدا أكثر نضجًا وثقة في جميع أطوار المباراة.
ورغم الإصابة المبكرة التي تعرض لها إسماعيل صيباري، لم يتأثر النسق الجماعي للمنتخب، إذ أظهر اللاعبون قدرة كبيرة على التكيف مع مجريات اللقاء، في انعكاس واضح للعمق الذي باتت تتمتع به التشكيلة المغربية، سواء على مستوى جودة العناصر أو تنوع الخيارات التكتيكية.
بهذا الفوز، أنهى المغرب مغامرة المنتخب الكندي، الذي بصم بدوره على مشاركة تاريخية، محققًا أول نقطة وأول انتصار في تاريخه بكأس العالم، إلا أن الفوارق الفنية والخبرة التنافسية رجحت كفة المنتخب المغربي، الذي دخل البطولة بصفته أحد أبرز المرشحين للذهاب بعيدًا في المنافسة.
ولعل ما يميز هذه النسخة من المنتخب المغربي أنه لم يعد يُنظر إليه بوصفه “الحصان الأسود” للبطولة، بل أصبح منافسًا يحظى باحترام المدارس الكروية الكبرى. فالإنجاز التاريخي الذي تحقق في مونديال قطر 2022، عندما أصبح المغرب أول منتخب إفريقي يبلغ الدور نصف النهائي، لم يعد استثناءً، بل تحول إلى قاعدة انطلقت منها مرحلة جديدة من البناء الرياضي والاستقرار التقني.
وقد أكد “أسود الأطلس” هذا التحول منذ دور المجموعات، حين فرضوا أنفسهم أمام منتخبات من العيار الثقيل، قبل أن يواصلوا مشوارهم بإقصاء أحد أبرز عمالقة الكرة الأوروبية، مقدمين أداءً يعكس نضجًا تكتيكيًا وقدرة عالية على إدارة المباريات الكبرى.
ومن منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذا المسار باعتباره نتيجة لاستراتيجية رياضية طويلة الأمد استثمرت في التكوين، والبنيات التحتية، وتطوير مراكز التكوين، وتعزيز الاحتراف، إلى جانب الاستفادة من الكفاءات المغربية المتألقة في مختلف الدوريات الأوروبية. وقد أفرز هذا النموذج منتخبًا يجمع بين المهارة الفردية والانضباط الجماعي، ويجسد رؤية مؤسساتية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
أما من الزاوية الجيوستراتيجية، فإن النتائج التي يحققها المنتخب الوطني تعزز الرصيد الرمزي للمغرب في محيطه الإقليمي والدولي. ففي عالم أصبحت فيه القوة الناعمة عنصرًا أساسيًا في بناء النفوذ، باتت الرياضة إحدى أكثر الأدوات تأثيرًا في تحسين صورة الدول، وتعزيز جاذبيتها، وترسيخ حضورها داخل الرأي العام العالمي.
لقد نجح المغرب، من خلال كرة القدم، في تقديم نموذج لدولة قادرة على الجمع بين الاستقرار السياسي والطموح الرياضي والاستثمار في الرأسمال البشري، وهو ما ينعكس على مكانته داخل القارة الإفريقية، وفي علاقاته مع شركائه الأوروبيين والدوليين، كما يعزز ارتباط ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بوطنهم الأم، ويمنحهم مساحة للتعبير عن انتمائهم وهويتهم الوطنية.
واليوم، ومع بلوغ ربع النهائي، لا يبدو المنتخب المغربي وكأنه يدافع عن إنجاز سابق، بل يكتب فصلًا جديدًا من تاريخ كرة القدم الوطنية. فالفريق الذي أبهر العالم في قطر قبل أربع سنوات، يعود اليوم بثقة أكبر، وخبرة أوسع، وطموح لا يخفي رغبته في المنافسة على اللقب العالمي.
لقد تجاوزت ملحمة “أسود الأطلس” حدود المستطيل الأخضر، لتصبح قصة نجاح وطنية تعكس قدرة المغرب على تحويل الرياضة إلى مشروع استراتيجي متكامل، يجمع بين الإنجاز الرياضي، والإشعاع الدولي، وتعزيز المكانة الجيوسياسية للمملكة. وإذا كان التأهل إلى نصف النهائي في مونديال 2022 قد غير نظرة العالم إلى الكرة المغربية، فإن مسيرة 2026 تؤكد أن المغرب لم يعد ضيفًا على الكبار، بل أصبح واحدًا منهم.