القنيطرة – لم يعد حضور المنتخب المغربي لكرة القدم للسيدات في أكبر المحافل الدولية مجرد حدث استثنائي ينتظر التكرار، بل بدأ يتحول إلى مسار رياضي متواصل. فقد حجزت «لبؤات الأطلس» بطاقة العبور إلى نهائيات كأس العالم 2027، المقررة في البرازيل، عقب انتصارهن على منتخب جنوب أفريقيا بهدفين مقابل هدف واحد، في الدور ربع النهائي من كأس الأمم الأفريقية.
ويحمل هذا التأهل أكثر من مجرد قيمة رياضية؛ فهو يؤكد أن الإنجاز الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال 2023 لم يكن لحظة عابرة في تاريخ كرة القدم النسائية المغربية، وإنما كان بداية مرحلة جديدة انتقل فيها المنتخب من موقع الطامح إلى موقع المنافس القادر على فرض حضوره في القارة.
وسيخوض المغرب كأس العالم للسيدات للمرة الثانية توالياً، وهو ما يمثل خطوة مهمة في مسار بناء منتخب قادر على الاستمرار في أعلى مستويات المنافسة، بعدما كانت المشاركة في نسخة 2023 الأولى من نوعها بالنسبة إلى المنتخب المغربي والعربي.
وجاء الفوز على جنوب أفريقيا في مباراة اتسمت بالقوة والتنافس، إذ نجح المنتخب المغربي في تسجيل هدفين حملا توقيع سكينة أوزراوي وحنان آيت الحاج من ركلة جزاء، قبل أن تقلص ثيمبي كجاتلانا الفارق للمنتخب الجنوب أفريقي.
وفي الوقت الذي حاول فيه المنتخب الجنوب أفريقي العودة إلى المباراة خلال الشوط الثاني، أظهرت اللاعبات المغربيات قدراً كبيراً من الانضباط والتركيز، وتمكنّ من المحافظة على أسبقيتهن حتى صافرة النهاية، ليحسمن إحدى أهم مباريات البطولة ويضمنّ في الوقت نفسه بطاقة التأهل إلى المونديال.
انتصار أمام حاملة اللقب
تكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية بالنظر إلى هوية المنافس. فجنوب أفريقيا تدخل البطولة باعتبارها حاملة لقب النسخة السابقة، كما أنها واحدة من القوى التقليدية الصاعدة في كرة القدم النسائية الأفريقية.
وتجاوز هذا الاختبار يمنح المنتخب المغربي دفعة معنوية ورياضية كبيرة، ويعكس التطور الذي طرأ على مستواه خلال السنوات الأخيرة. فالمغرب لم يعد يكتفي بمجاراة المنتخبات القوية، بل أصبح قادراً على إقصائها عندما تفرض المنافسة ذلك.
ويفتح التأهل إلى نصف النهائي الباب أمام اختبار جديد، إذ سيواجه المنتخب المغربي الفائز من مباراة الكاميرون ونيجيريا، في مواجهة لن تقل صعوبة عن سابقتها، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المنتخبان في كرة القدم الأفريقية.
مونديال 2027.. استمرارية أكثر من كونه مجرد إنجاز
إذا كان التأهل إلى كأس العالم 2023 قد شكل لحظة مفصلية، فإن بلوغ نسخة 2027 يحمل دلالة مختلفة. فالمنتخب المغربي يثبت هذه المرة قدرته على الاستمرارية، وهي إحدى أصعب المهام في الرياضة الاحترافية.
في مونديال 2023، دخل المغرب التاريخ باعتباره أول منتخب عربي يبلغ الأدوار الإقصائية في كأس العالم للسيدات. أما اليوم، فإن العودة إلى النهائيات العالمية للمرة الثانية على التوالي تعني أن المنتخب بدأ يرسخ مكانته ضمن خريطة المنافسة الأفريقية، ولم يعد نجاحه مرتبطاً بجيل أو بطولة واحدة.
وتمنح التجربة الأولى في كأس العالم اللاعبات والجهاز الفني رصيداً مهماً من الخبرة، سواء على المستوى التكتيكي أو الذهني، وهو ما يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً في النسخة المقبلة، خصوصاً في مواجهة منتخبات تمتلك تقاليد عريقة وإمكانات كبيرة في كرة القدم النسائية.
ثمرة مسار يتجاوز المنتخب
ولا يمكن قراءة هذا الإنجاز بمعزل عن التطور الذي شهدته كرة القدم النسائية في المغرب خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبح الاهتمام بالمنتخبات النسائية والمسابقات المحلية أكثر حضوراً، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية وتوسيع قاعدة الممارسة والاستثمار في تكوين اللاعبات.
هذه العناصر مجتمعة ساهمت في خلق بيئة أكثر قدرة على إنتاج المواهب وإعداد لاعبات قادرات على المنافسة على المستوى القاري والدولي. كما أن الحضور المتزايد للمنتخب المغربي في البطولات الكبرى يرفع بدوره سقف التطلعات لدى جيل جديد من اللاعبات.
ومن هذه الزاوية، فإن التأهل إلى كأس العالم للمرة الثانية على التوالي لا ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة رياضية منفصلة، بل باعتباره مؤشراً على تحول أوسع في موقع كرة القدم النسائية المغربية.
المنافسة الأفريقية تزداد صعوبة
ويأتي هذا التطور في سياق أفريقي يعرف تصاعداً واضحاً في مستوى المنافسة. وتظل نيجيريا صاحبة الرقم القياسي في كأس الأمم الأفريقية للسيدات بعشرة ألقاب، مقابل لقبين لغينيا الاستوائية ولقب واحد لجنوب أفريقيا، في حين أصبح المغرب خلال السنوات الأخيرة من المنتخبات التي تقترب تدريجياً من دائرة المنافسة على القمة.
ويعكس بلوغ «لبؤات الأطلس» نصف النهائي بعد تجاوز جنوب أفريقيا هذا التحول بصورة واضحة. فالمعيار لم يعد مجرد الوصول إلى البطولة، وإنما القدرة على المنافسة في أدوارها الحاسمة ومواجهة المنتخبات صاحبة التاريخ والخبرة.
الهدف المقبل: اللقب ثم ترك بصمة عالمية
ضمنت «لبؤات الأطلس» بالفعل حضورهن في كأس العالم 2027، لكن التأهل لا يبدو نهاية الطموح المغربي. فالمنتخب يخوض الآن المرحلة الأكثر أهمية من كأس الأمم الأفريقية، وهو أمام فرصة حقيقية لمواصلة المنافسة على اللقب، خصوصاً مع إقامة البطولة على أرضه.
ويمنح الوصول إلى المونديال اللاعبات هامشاً من الثقة، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف المسؤولية. فبعد أن كان مجرد التأهل إلى كأس العالم إنجازاً تاريخياً، أصبحت التحديات المقبلة مرتبطة بمدى القدرة على تحقيق نتائج أفضل والذهاب أبعد مما تحقق في النسخة السابقة.
وفي البرازيل عام 2027، سيكون المغرب أمام فرصة جديدة لإعادة تعريف موقعه في كرة القدم النسائية العالمية. فالمشاركة الثانية المتتالية لا تمنح المنتخب شرعية الحضور فحسب، وإنما توفر له أيضاً فرصة لتوظيف الخبرة التي اكتسبها في مونديال 2023 من أجل منافسة منتخبات ذات مستوى عالمي.
وبينما كان بلوغ مونديال 2023 لحظة تاريخية فتحت الباب أمام كرة القدم النسائية المغربية والعربية على نطاق أوسع، فإن التأهل إلى نسخة 2027 يبعث برسالة أكثر أهمية: المغرب لم يعد يراهن على إنجاز استثنائي، بل يعمل على بناء حضور مستدام.
ومن هنا، فإن بطاقة المونديال التي انتزعتها «لبؤات الأطلس» أمام جنوب أفريقيا ليست سوى محطة في مشروع رياضي أكبر. مشروع يطمح إلى تثبيت المنتخب المغربي ضمن نخبة كرة القدم النسائية الأفريقية، قبل الانتقال إلى الهدف الأصعب: تحويل الحضور العالمي من مشاركة تاريخية إلى بصمة رياضية دائمة.