لماذا يغيّر أبناء الجالية المغربية في أوروبا وجهتهم الصيفية من المغرب إلى إسبانيا؟

ماريا الزاكي

لم يعد اختيار الوجهة الصيفية بالنسبة لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج قراراً عاطفياً تحكمه روابط الانتماء فقط، بل أصبح يخضع، أكثر من أي وقت مضى، لمعايير اقتصادية واجتماعية وأمنية وجودة الخدمات. فمع تزايد أعداد المغاربة المزدادين في أوروبا، خاصة أبناء الجيلين الثاني والثالث، بل وحتى الرابع، بدأت تتشكل ثقافة سياحية جديدة تختلف عن تلك التي حملها الجيل الأول من المهاجرين، الذي كان يعتبر العودة السنوية إلى المغرب واجباً عائلياً قبل أن تكون رحلة للراحة والاستجمام.

وتكشف المؤشرات الميدانية والملاحظات المتكررة داخل أوساط الجالية أن جزءاً متزايداً من هذه الفئة بات يفضل قضاء عطلته في إسبانيا، رغم قرب المغرب الجغرافي وروابطه الأسرية والثقافية. ولا يرتبط هذا التحول بسبب واحد، بل هو نتيجة تراكم مجموعة من العوامل التي تؤثر في تجربة السائح المغربي القادم من أوروبا.

 ارتفاع تكاليف العطلة والشعور بالاستغلال الموسمي

أبرز الأسباب التي تتردد على ألسنة أفراد الجالية يتمثل في الارتفاع الملحوظ للأسعار خلال فصل الصيف. فمع بداية موسم “مرحبا”، تعرف أسعار الفنادق والشقق السياحية والمطاعم والمقاهي وكراء السيارات وحتى بعض الخدمات البسيطة زيادات كبيرة، وهو ما يخلق لدى الكثيرين انطباعاً بأن أفراد الجالية يُنظر إليهم باعتبارهم مصدراً سريعاً للربح.

هذا الإحساس لا يتعلق فقط بمستوى الأسعار، بل أيضاً بعدم استقرارها وغياب الشفافية في عدد من القطاعات، حيث قد تختلف الأسعار بين الزبائن تبعاً للهجة أو لوحة ترقيم السيارة الأجنبية، وهو ما يترك أثراً سلبياً لدى الزوار الذين اعتادوا في أوروبا على تسعيرة واضحة ومعلنة للجميع.

الضغط العمراني والاكتظاظ في المدن الساحلية

تعاني أغلب المدن الساحلية المغربية من ضغط كبير خلال أشهر الصيف، حيث تتجمع أعداد هائلة من المصطافين في فضاءات محدودة. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى محدودية الشريط الساحلي المهيأ سياحياً مقارنة بطول الساحل المغربي، إضافة إلى التركز الكبير للخدمات والترفيه في مناطق معينة.

وتتحول مدن مثل المضيق، مرتيل، الحسيمة، السعيدية، أكادير وبعض شواطئ الشمال إلى فضاءات مكتظة بالسيارات والراجلين، مما يجعل التنقل والبحث عن موقف للسيارة أو حتى مكان هادئ على الشاطئ أمراً بالغ الصعوبة.

الإحساس بتراجع مستوى الأمن اليومي

ورغم المجهودات الأمنية الكبيرة التي تبذلها السلطات المغربية خلال فصل الصيف، فإن عدداً من أفراد الجالية يعبرون عن تخوفهم من بعض المظاهر التي تؤثر على إحساسهم بالأمان، مثل السرقات بالنشل أو سرقة السيارات أو بعض السلوكيات الإجرامية المحدودة التي تستهدف الأماكن المكتظة.

ولا يعني ذلك أن المغرب بلد غير آمن، بل إن المشكلة تكمن في الفارق بين مستوى الإحساس بالأمن الذي اعتاد عليه المقيمون في عدد من الدول الأوروبية وبين ما يواجهونه في بعض الفضاءات السياحية خلال فترات الذروة.

التحرش بالسياح والنساء

تعتبر ظاهرة التحرش اللفظي أو المضايقات في بعض المناطق السياحية من أكثر النقاط التي تنتقدها العائلات المغربية المقيمة بالخارج، خصوصاً بالنسبة للشابات المزدادات في أوروبا اللواتي يجدن أنفسهن أمام أنماط من السلوك لم يعتدن عليها في بلدان الإقامة.

وتؤكد العديد من الدراسات السوسيولوجية أن جودة التجربة السياحية لا تقاس فقط بجمال المكان، بل أيضاً بمدى شعور الزائر بالراحة والاحترام داخل الفضاء العام.

ضعف جودة الخدمات مقارنة بما يدفعه السائح

يلاحظ عدد من أبناء الجالية أن أسعار بعض الفنادق والمطاعم والمنتجعات أصبحت تقترب من الأسعار الأوروبية، بينما لا تزال جودة الخدمات، من حيث الاستقبال والنظافة وسرعة الخدمة والصيانة، دون مستوى التوقعات.

فالسائح اليوم يقارن بين ما يحصل عليه مقابل المبلغ نفسه في إسبانيا أو البرتغال أو جنوب فرنسا، وليس بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات.

البنية التحتية الترفيهية المحدودة

تفتقر العديد من المدن المغربية إلى فضاءات ترفيهية متنوعة للعائلات، مثل الحدائق الكبرى، والمتنزهات المائية، ومسارات الدراجات، والأنشطة الرياضية المفتوحة، والمرافق الموجهة للأطفال.

وتجد العائلات نفسها، في كثير من الأحيان، محصورة بين الشاطئ والمقهى والمطعم، في حين توفر الوجهات الإسبانية خيارات متعددة تجعل الإقامة أكثر تنوعاً لجميع أفراد الأسرة.

مشاكل السير ومواقف السيارات

يشكل الازدحام المروري خلال الصيف أحد أكثر الجوانب التي تثير انزعاج أفراد الجالية، حيث تتحول مسافات قصيرة إلى رحلات تستغرق ساعات، إضافة إلى صعوبة العثور على أماكن لركن السيارات، وما يرتبط بذلك أحياناً من ممارسات غير قانونية أو استغلال للمواقف.

نظافة الفضاءات العامة

رغم التحسن الذي شهدته بعض المدن المغربية، فإن عدداً من الشواطئ والأماكن العمومية لا تزال تعاني من تراكم النفايات، وضعف صيانة المرافق الصحية، ونقص المراحيض والاستحمامات العمومية المجانية، وهي خدمات أصبحت جزءاً أساسياً من التجربة السياحية في العديد من المدن الإسبانية.

تغير ذهنية الأجيال الجديدة

يختلف أبناء الجيلين الثاني والثالث من المغاربة في أوروبا عن آبائهم في نظرتهم إلى العطلة الصيفية. فالجيل الأول كان يعتبر زيارة المغرب أولوية عائلية واجتماعية، بينما أصبح الجيل الجديد يبحث عن الراحة وجودة الخدمات والتجارب السياحية أكثر من ارتباطه بالبعد العاطفي.

وبالتالي، فإن المقارنة بالنسبة إليهم تتم بين مختلف الوجهات المتوسطية، وليس بين المغرب وعدم السفر.

المنافسة الإسبانية

استطاعت إسبانيا خلال العقود الأخيرة أن تبني نموذجاً سياحياً يعتمد على جودة الخدمات، ونظافة الشواطئ، وسهولة الولوج إليها، وتوفر مواقف السيارات، والمرافق الصحية المجانية، والأمن، واحترام الفضاء العام، إضافة إلى تنوع الأنشطة الثقافية والترفيهية.

ولذلك، يجد كثير من المغاربة المقيمين في أوروبا أن تكلفة أسبوع في بعض المدن الإسبانية قد تكون مساوية أو حتى أقل من تكلفة الإقامة في بعض المدن الساحلية المغربية خلال ذروة الموسم، مع الاستفادة من خدمات يعتبرونها أكثر استقراراً وتنظيماً.

بين الارتباط بالوطن ومتطلبات الجودة

لا يعني توجه جزء من الجالية المغربية نحو إسبانيا تراجع ارتباطها بالمغرب أو فقدانها لهويتها الوطنية، بل يعكس تغيراً في سلوك المستهلك السياحي الذي أصبح أكثر تطلباً وأكثر قدرة على المقارنة بين الوجهات.

إن الحفاظ على المغرب كوجهة أولى لمغاربة العالم يقتضي العمل على ضبط الأسعار، والرفع من جودة الخدمات، وتوسيع العرض السياحي، وتحسين البنية التحتية الساحلية، وتعزيز النظافة والأمن، والحد من الممارسات التي تسيء إلى صورة البلاد خلال الموسم الصيفي.

فالجيل الجديد من مغاربة العالم لا يختار وجهته بدافع الحنين فقط، بل يبحث عن تجربة سياحية متكاملة يشعر فيها بالاحترام، ويحصل فيها على خدمة تتناسب مع ما يدفعه، وهو تحدٍّ أصبح يفرض نفسه على مختلف الفاعلين في القطاع السياحي المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com