حين يتحول الشباب إلى ورقة تفاوض… من يحاسب على أرواح ضحايا الهجرة نحو سبتة؟
بوشعيب البازي
في كل مرة تتوتر فيها العلاقات بين المغرب وإسبانيا، أو تشهد ملفات الهجرة والتعاون الأمني تحولات مفاجئة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل أصبح الشباب المغربي الحلقة الأضعف في معادلات سياسية تتجاوز إرادته ومصالحه؟ وهل يمكن أن تتحول الحدود، التي تخضع في الظروف العادية لمراقبة أمنية مشددة، إلى فضاء يسمح بوقوع موجات عبور جماعية تنتهي بمآسٍ إنسانية، قبل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها بمجرد التوصل إلى تفاهمات سياسية؟
إن ما شهدته السواحل الشمالية للمملكة خلال الأيام الأخيرة، وما رافقه من محاولات جماعية للوصول إلى مدينة سبتة، وما خلفه من وفيات ومفقودين ومآسٍ لعشرات الأسر المغربية، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حادث عابر أو نتيجة طبيعية للهجرة غير النظامية. فحجم التدفقات البشرية، وتوقيتها، ثم العودة السريعة إلى تشديد المراقبة، كلها عناصر تفرض طرح أسئلة مشروعة حول كيفية إدارة هذا الملف وحول المسؤوليات السياسية والمؤسساتية المرتبطة به.
لا يتعلق الأمر بتبني نظريات أو إطلاق اتهامات غير مؤسسة، بل بالدفاع عن حق الرأي العام في معرفة الحقيقة كاملة. فحين يتمكن آلاف الأشخاص من الاقتراب من منطقة حدودية شديدة الحساسية خلال فترة وجيزة، ثم تتغير المعطيات الأمنية بشكل مفاجئ، يصبح من حق المواطنين والصحافة والبرلمان والمجتمع المدني المطالبة بتوضيحات دقيقة حول ما جرى، وحول الإجراءات التي اتخذت قبل الأزمة وأثناءها وبعدها.
الأكثر إيلاماً أن الضحية في نهاية المطاف ليس صانع القرار، ولا المفاوض السياسي، ولا المسؤول الإداري، وإنما شاب مغربي دفعه اليأس والبطالة وغياب الأفق إلى المخاطرة بحياته في البحر أملاً في مستقبل أفضل. بعضهم ابتلعته الأمواج، وبعضهم انتهى في مراكز الإيواء أو الاحتجاز، فيما ينتظر آخرون قرارات الإعادة إلى المغرب وفق الاتفاقيات الثنائية المنظمة للهجرة. وبين لحظة المغامرة ولحظة الإرجاع، تضيع الأحلام، وتبقى العائلات وحدها تواجه الفاجعة.
إن أي سياسة للهجرة ينبغي أن تقوم على حماية الإنسان قبل حماية الحدود. وإذا كانت الدول تمتلك الحق السيادي في تدبير حدودها، فإن هذا الحق لا يمكن أن ينفصل عن واجب حماية الأرواح وصون الكرامة الإنسانية. لذلك فإن الشباب المغربي لا يجوز أن يُختزل في أرقام ضمن تقارير أمنية، ولا أن يصبح موضوعاً للمساومات السياسية أو الدبلوماسية، أياً كانت طبيعة الخلافات أو التفاهمات بين الدول.
إن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقتضي فتح تحقيق مستقل وشفاف في كل الملابسات التي أحاطت بهذه الأحداث، ليس لإدانة طرف بعينه مسبقاً، وإنما لتحديد الوقائع بدقة، وتقييم كيفية تدبير الأزمة، والكشف عن أسباب تمكن هذا العدد الكبير من الشباب من الوصول إلى مناطق العبور، ثم دراسة أسباب تغير الوضع الميداني بعد ذلك. فالحقيقة وحدها هي التي تحمي المؤسسات، وهي وحدها التي تعيد الثقة للمواطنين.
كما أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية. فالهجرة ليست سبباً في حد ذاتها، بل نتيجة لأوضاع اقتصادية واجتماعية ونفسية تدفع آلاف الشباب إلى الاعتقاد بأن ركوب البحر أقل خطراً من البقاء في واقع يفتقد إلى الأمل. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في خلق فرص الشغل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة.
لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها. فالدول تُقاس بقوة مؤسساتها، وبقدرتها على حماية مواطنيها، لا بعدد الدوريات الأمنية أو الاتفاقيات الحدودية. أما الشباب المغربي، فهو ثروة وطنية ورأسمال بشري، وليس وسيلة ضغط ولا رقماً في مفاوضات سياسية، ولا يجوز أن تكون حياته ثمناً لأي خلاف أو تقارب بين العواصم.
إن دماء الضحايا تفرض على الجميع التحلي بالشجاعة السياسية والأخلاقية، والبحث عن الحقيقة كاملة، لأن احترام كرامة الإنسان يبدأ من الاعتراف بأن حياته ليست ورقة يمكن استخدامها ثم طيها بعد انتهاء الظرف السياسي. فالمغرب، كما إسبانيا، مطالبان بإدارة ملف الهجرة وفق مبادئ المسؤولية والشفافية واحترام الحقوق الأساسية، بعيداً عن أي مقاربة تجعل الإنسان أول الخاسرين في معادلات السياسة.