“فوسفاط وجوج بحورا”… وعيشَة مقهورة: بين ثروات الأرض وقوارب اليأس: لماذا يغامر الشباب المغربي بحياته رغم ما يملكه الوطن؟
بوشعيب البازي
لم تكن مشاهد الآلاف من الشباب المغاربة وهم يحاولون، خلال الأيام الأخيرة، بلوغ مدينة سبتة سباحة أو عبر وسائل بدائية مجرد حادثة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بل كانت لحظة سياسية واجتماعية كاشفة. فحين يختار شاب مواجهة الأمواج، وهو يدرك أن احتمال الموت أكبر من احتمال الوصول، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالحدود، بل بما يحدث داخل الوطن. لماذا أصبح البحر، الذي يفترض أن يكون مصدر رزق، طريقاً للهروب؟ ولماذا تحولت الثروات الطبيعية الهائلة التي يزخر بها المغرب إلى أرقام في التقارير، بينما يزداد الشعور بالإقصاء لدى فئات واسعة من المواطنين؟
المغرب ليس بلداً فقيراً بالموارد. فهو يمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفاط، وواجهتين بحريتين تمتدان على آلاف الكيلومترات، وتنوعاً فلاحياً ومائياً وموقعاً جيوستراتيجياً يجعل منه أحد أهم الفاعلين في غرب البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا. غير أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة تحقيق التنمية، كما أن ارتفاع مؤشرات الصادرات لا ينعكس تلقائياً على مستوى معيشة المواطنين أو على قدرتهم على بناء مستقبل داخل بلدهم.
لقد كشفت أحداث سبتة عن مفارقة مؤلمة. ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه المملكة باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة وشريكاً استراتيجياً في ملفات الطاقة والاستثمار والهجرة، يواصل آلاف الشباب البحث عن فرصة خارج الحدود، ولو كانت تلك الفرصة محفوفة بالغرق أو الاعتقال أو الترحيل. وهذا التناقض لا يمكن تفسيره فقط بالرغبة في الهجرة، بل أيضاً بالشعور بأن الثروة الوطنية لا تتحول بالقدر الكافي إلى فرص شغل، وعدالة اجتماعية، وخدمات عمومية قادرة على إعادة الثقة بين المواطن والدولة.
ويزداد هذا الشعور عندما يرى المواطن أن قطاعات استراتيجية، مثل الفوسفاط أو الصيد البحري أو استغلال الموارد المائية، تحقق أرقاماً مهمة على مستوى الإنتاج والتصدير، بينما تظل مناطق الإنتاج نفسها تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والهشاشة وضعف الاستثمار الاجتماعي. هنا تتشكل قناعة لدى جزء من الرأي العام بأن الفجوة بين الثروة والتنمية لا تزال قائمة، وأن توزيع ثمار النمو لا يحقق ما ينتظره المواطن العادي.
أما على مستوى الثروة البحرية، فإن المفارقة تبدو أكثر وضوحاً. فالمغرب يمتلك واحداً من أغنى المخزونات السمكية في المنطقة، ومع ذلك يشتكي المواطن من ارتفاع أسعار الأسماك، بينما يعيش عدد من الصيادين التقليديين أوضاعاً اقتصادية صعبة. هذه الصورة تعزز الإحساس بأن وفرة الموارد الطبيعية لا تكفي وحدها لضمان العدالة الاقتصادية إذا لم ترافقها حكامة فعالة، وشفافية، وربط واضح بين استغلال الثروة وتحسين ظروف العيش.
والأمر نفسه ينسحب على الموارد المائية، حيث أصبح الحصول على الماء في بعض المناطق تحدياً يومياً، رغم ما تتوفر عليه البلاد من إمكانات مائية وسدود ومشاريع كبرى. وفي نظر كثيرين، فإن نجاح أي نموذج تنموي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو الصادرات، بل بمدى شعور المواطن بأن هذه الإنجازات تنعكس على حياته اليومية.
إن ما حدث في سبتة ينبغي أن يُقرأ بوصفه مؤشراً اجتماعياً أكثر منه حدثاً حدودياً. فالشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا يبحثون عن مغامرة، بل عن أفق يعتقدون أنهم فقدوه داخل وطنهم. وعندما تصبح الضفة الأخرى، بكل ما تحمله من مخاطر، أقل رعباً من واقع البطالة أو غياب الفرص، فإن ذلك يفرض نقاشاً عميقاً حول العلاقة بين الثروة الوطنية والعدالة الاجتماعية.
ولا يمكن اختزال هذا النقاش في الأرقام الاقتصادية وحدها، لأن التنمية الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على تحويل الموارد الطبيعية إلى تعليم جيد، ورعاية صحية، وفرص عمل، وسكن لائق، وحماية اجتماعية، وإحساس بالكرامة. فهذه العناصر هي التي تجعل المواطن يتمسك بوطنه، لا مجرد معرفة أن بلده يتوفر على احتياطيات من الفوسفاط أو على واجهتين بحريتين.
لقد أثبتت أحداث سبتة أن أكبر تهديد للاستقرار ليس نقص الموارد، بل اتساع الفجوة بين ما يراه المواطن من ثروات بلده، وما يلمسه في حياته اليومية. وعندما يشعر الشباب بأن مستقبلهم يوجد خلف البحر أكثر مما يوجد داخل وطنهم، فإن السؤال لم يعد: كم يملك المغرب من الثروات؟ بل أصبح: كيف تُدار هذه الثروات، وكيف يمكن أن يشعر المواطن بأن له نصيباً عادلاً من ثمارها؟
إن معالجة هذه الأسئلة تقتضي نقاشاً عمومياً هادئاً ومسؤولاً، بعيداً عن الشعارات، وقائماً على معطيات دقيقة وحكامة شفافة، لأن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يظل أحد أهم شروط تحويل الثروة الطبيعية إلى تنمية يشعر بها الجميع، وليس مجرد مؤشرات اقتصادية أو أرقام في التقارير السنوية.