حين يصبح مغاربة العالم في موقف الدفاع: سبتة وأسئلة الثقة التي لا ينبغي تجاهلها
بقلم : بوشعيب البازي
لم تكن الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة مؤخرًا مجرد مشهد حدودي عابر أو أزمة هجرة جديدة يمكن احتواؤها بخطاب رسمي مقتضب، بل تحولت إلى لحظة فارقة تركت أثرًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا لدى ملايين المغاربة المقيمين بالخارج. فبعيدًا عن لغة الأرقام والتقارير، وجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة أسئلة محرجة من زملائهم في العمل، وأصدقائهم، وشركائهم في دول الإقامة، بعد سنوات كانوا يقدمون فيها المغرب باعتباره نموذجًا للاستقرار والإصلاح والتحديث.
لقد استثمرت الدولة، خلال العقدين الماضيين، موارد سياسية ودبلوماسية وإعلامية كبيرة في ترسيخ صورة المغرب كبلد يعرف تحولًا اقتصاديًا ومؤسساتيًا، ويحقق إنجازات في البنية التحتية، والاستثمارات، والاستقرار الإقليمي. وكان مغاربة العالم، بحكم حضورهم في المجتمعات الأوروبية وغيرها، جزءًا من هذا الجهد غير الرسمي، يدافعون عن بلدهم وينقلون صورة إيجابية عنه، مدعومة بما كانوا يرونه من مشاريع وإصلاحات.
غير أن مشاهد التدفق الجماعي نحو سبتة أعادت طرح أسئلة مؤلمة حول حقيقة هذا النموذج. فكيف يمكن تفسير اندفاع آلاف الأشخاص، بينهم شباب وقاصرون، نحو المجهول، وهم يخاطرون بحياتهم من أجل عبور بضعة كيلومترات؟ وكيف يمكن إقناع الرأي العام الأوروبي بأن الحديث عن التنمية والفرص الاقتصادية ينسجم مع هذه الصور التي تصدرت وسائل الإعلام الدولية؟
الأكثر إيلامًا أن مغاربة العالم وجدوا أنفسهم عاجزين عن تقديم إجابات مقنعة. فبينما كانت النقاشات في السابق تدور حول الاستثمار والسياحة والنهضة الاقتصادية، أصبحت تتمحور حول أسباب الهجرة واليأس وفقدان الأمل. وتحول كثير منهم، رغم أنهم لا يتحملون أي مسؤولية، إلى من يُطلب منه تفسير ما جرى أو الدفاع عن سياسات لا يشارك في صياغتها ولا يملك تفسيرًا رسميًا لها.
إن أي دولة تحترم مؤسساتها لا يمكنها أن تعتبر مثل هذه الأحداث مجرد تفصيل عابر. فالأزمات الكبرى تستوجب قبل كل شيء الوضوح والشفافية والمساءلة. وعندما يغيب التواصل الرسمي المقنع، تتوسع دائرة التأويلات، وتترسخ الشكوك، وتصبح الروايات غير الرسمية هي الأكثر انتشارًا وتأثيرًا.
ولا يتعلق الأمر فقط بصورة المغرب في الخارج، بل بمصداقية الخطاب العمومي نفسه. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالانسجام بين الخطاب والواقع. وعندما يشاهد العالم آلاف الشباب وهم يغامرون بكل شيء بحثًا عن مستقبل خارج الوطن، فإن ذلك يفرض مراجعة جادة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، كما يفرض تقييمًا صريحًا لكيفية إدارة الأزمات ذات البعد الإنساني والسياسي.
إن المسؤولية السياسية لا تعني البحث عن كبش فداء، وإنما تعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بالإخفاقات ومساءلة آليات اتخاذ القرار والتواصل مع المواطنين. فالدول الديمقراطية تقوى بالنقد، ولا تضعف به، وتستعيد ثقة مواطنيها عندما تواجه الأسئلة الصعبة بدل الالتفاف حولها.
لقد دفع مغاربة العالم ثمنًا معنويًا لهذه الأحداث، لأنهم وجدوا أنفسهم في موقع الدفاع عن صورة وطنهم في وقت كانت فيه الوقائع أقوى من الخطابات. وهذه الخسارة الرمزية لا تقل أهمية عن أي خسارة سياسية أو اقتصادية، لأنها تمس رأس المال الحقيقي لأي دولة: الثقة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة، داخل الوطن وخارجه، جوابًا واضحًا: ما هي الدروس التي استخلصتها المؤسسات من هذه الأزمة؟ وكيف ستستعيد الدولة ثقة مواطنيها وثقة شركائها، حتى لا تتحول مثل هذه الأحداث إلى مشاهد تتكرر كلما اشتدت الأزمات؟
إن مستقبل المغرب لا يصنعه إنكار الأسئلة، بل يبدأ بالاعتراف بها، ومواجهة أسبابها، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عنها، لأن الأوطان تُبنى بالمحاسبة والشفافية أكثر مما تُبنى بالشعارات.