من حارس للحدود إلى شريك في صياغة المعادلة: كيف يعيد المغرب تعريف علاقته بأوروبا؟
مجدي فاطمة الزهراء
لم يعد المغرب يتعامل مع أوروبا من موقع الدولة التي تنتظر المساعدة أو تسعى فقط إلى تسهيل ولوج منتجاتها إلى السوق الأوروبية. خلال السنوات الأخيرة، راكمت الرباط مجموعة من الأوراق السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوستراتيجية التي أعادت تشكيل موقعها داخل المعادلة المتوسطية، وجعلتها شريكًا يصعب اختزال علاقته بأوروبا في ملف واحد، سواء تعلق الأمر بالهجرة أو التجارة أو الأمن.
هذا التحول لا يعني أن المغرب أصبح في موقع يسمح له بفرض شروطه على الاتحاد الأوروبي، كما لا يعني أن موازين القوة انقلبت بين الطرفين. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية: أن كلفة تجاهل المصالح المغربية ارتفعت، وأن الرباط أصبحت تمتلك هامشًا أوسع للتفاوض حول طبيعة الشراكة ومستقبلها.
فالمغرب لم يعد يريد أن يُنظر إليه باعتباره مجرد حارس للحدود الجنوبية لأوروبا، وإنما باعتباره شريكًا في صياغة شروط الاستقرار والتنمية والأمن في الفضاء المتوسطي والأفريقي.
الجغرافيا حين تتحول إلى قوة تفاوضية
لا يصنع الموقع الجغرافي القوة بمفرده. الموقع يصبح مصدر نفوذ عندما تنجح الدولة في تحويله إلى قيمة سياسية واقتصادية وأمنية.
وفي هذا المجال، يمتلك المغرب موقعًا استثنائيًا. فهو يوجد عند ملتقى المتوسط والأطلسي، على مسافة قريبة من القارة الأوروبية، وفي نقطة اتصال مباشرة بين أوروبا وأفريقيا. كما يطل على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ما يمنحه أهمية متزايدة في ظل التحولات التي تعرفها التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وإعادة تموضع الاستثمارات.
ولهذا لم تعد أهمية المغرب بالنسبة إلى الأوروبيين محصورة في مراقبة الهجرة غير النظامية. فالمعادلة أصبحت أوسع بكثير، وتشمل أمن الحدود، والتجارة، والاستثمار، والصناعة، والطاقة، وسلاسل التوريد، والتعاون الأمني، والوصول إلى الأسواق الأفريقية.
ومن هنا تحديدًا يصعب اليوم وصف العلاقة المغربية الأوروبية بمنطق «المانح والمستفيد». فالعلاقة، رغم اختلالات القوة التي ما تزال قائمة، أصبحت أكثر اعتمادًا على المصالح المتبادلة.
الهجرة.. من وظيفة أمنية إلى ورقة تفاوضية
ربما كان التحول الأكثر وضوحًا في هذه العلاقة مرتبطًا بملف الهجرة.
لسنوات طويلة، جرى تقديم المغرب في جزء كبير من الخطاب الأوروبي باعتباره شريكًا أمنيًا مكلفًا بالمساهمة في ضبط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومكافحة شبكات تهريب البشر، والحد من الهجرة غير النظامية.
غير أن التطورات المتلاحقة أظهرت أن هذه المعادلة ليست في اتجاه واحد.
فأوروبا تحتاج بدورها إلى التعاون مع دول جنوب المتوسط لضبط حدودها وإدارة تدفقات الهجرة. وهذا يمنح الدول التي توجد في موقع جغرافي حساس هامشًا للتفاوض، شرط أن تعرف كيف توظف هذه الورقة دون تحويلها إلى أداة للمواجهة الدائمة.
وقد كشفت أزمات الحدود، وفي مقدمتها التطورات المرتبطة بسبتة، عن مدى حساسية هذه المعادلة. فعندما تتحول الحدود إلى نقطة توتر سياسي، يصبح واضحًا أن التعاون المغربي ليس مجرد تفصيل تقني في السياسة الأوروبية، بل عنصر من عناصر الأمن الأوروبي نفسه.
وهنا تظهر المفارقة: الدولة التي كان يُنظر إليها في السابق باعتبارها منفذة لجزء من السياسة الأوروبية في مجال الهجرة أصبحت طرفًا قادرًا، بدرجات متفاوتة، على التأثير في كيفية إدارة هذه السياسة.
لكن القوة التفاوضية لا تعني امتلاك القدرة على التحكم في القرار الأوروبي. الاتحاد الأوروبي ما يزال يمتلك أدوات واسعة، من التأشيرات إلى الاتفاقيات التجارية والتمويل والشراكات الاقتصادية. لذلك فإن القيمة الحقيقية للورقة المغربية تكمن في استخدامها لبناء توازن، لا في تحويلها إلى وسيلة للابتزاز السياسي.
أفريقيا.. الورقة التي تتجاوز حدود المتوسط
لا يمكن فهم تصاعد الأهمية الجيوسياسية للمغرب من دون التوقف عند حضوره المتنامي في أفريقيا.
خلال السنوات الماضية، عمل المغرب على بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والمؤسساتية في عدد من الدول الأفريقية، من خلال البنوك وشركات الاتصالات والاستثمارات والخدمات والصناعة والزراعة، إلى جانب الحضور الديني والثقافي والدبلوماسي.
وبذلك لم يعد المغرب مجرد دولة متوسطية تتفاوض مع أوروبا بشأن قضايا تخص الجوار المباشر، بل أصبح يمتلك امتدادات داخل عمق القارة الأفريقية.
وهذه الورقة تكتسب أهمية خاصة في سياق دولي أصبحت فيه أفريقيا ساحة رئيسية للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين القوى الكبرى. فالصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا ودول الخليج جميعها تسعى إلى توسيع حضورها في القارة، بما يجعل الدول التي تمتلك شبكات وعلاقات راسخة فيها أكثر أهمية بالنسبة إلى الشركاء الدوليين.
ومن هذه الزاوية، يستطيع المغرب أن يقدم نفسه لأوروبا باعتباره أحد الجسور الممكنة نحو الأسواق الأفريقية، وليس مجرد بوابة أوروبية في الاتجاه المعاكس.
وهنا تتحول الجغرافيا السياسية إلى فرصة اقتصادية: أوروبا تبحث عن تنويع شركائها وسلاسل توريدها، وأفريقيا تبحث عن الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا، والمغرب يحاول أن يتموقع في المنطقة التي تلتقي فيها هذه المصالح.
الطاقة الخضراء.. ورقة المستقبل
لا يملك المغرب احتياطيات الغاز التي تجعل من الجزائر أو بعض الدول الأخرى في المنطقة قوى طاقية تقليدية. لكن هذا لا يعني أن ملف الطاقة غائب عن حساباته الاستراتيجية.
على العكس، فإن التحول العالمي نحو الطاقات المتجددة يمنح المغرب فرصة لإعادة تعريف دوره في المعادلة الطاقية.
فالبلاد تمتلك مؤهلات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، كما تسعى إلى تطوير موقعها في مجال الهيدروجين الأخضر. وإذا تمكنت من تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج تنافسي، وربطها بالبنية التحتية والأسواق الأوروبية، فإن العلاقة مع أوروبا يمكن أن تنتقل من مجرد تبادل تجاري إلى شراكة استراتيجية مرتبطة بأمن الطاقة والتحول الصناعي.
وهنا تصبح الصحراء والمناخ والمساحات الواسعة والربط الجغرافي عناصر اقتصادية يمكن أن تتحول إلى أوراق نفوذ.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يتحدد بحجم المشاريع المعلنة فقط، بل بقدرة المغرب على إنتاج طاقة تنافسية، وجذب التكنولوجيا والاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتحويل الطاقة النظيفة إلى قيمة صناعية ومضافة محلية.
القوة ليست في كسر العلاقة مع أوروبا
ومع ذلك، فإن أي قراءة موضوعية للمشهد تقتضي تجنب الخطاب الانتصاري الذي يصور المغرب وكأنه أصبح ندًا اقتصاديًا للاتحاد الأوروبي.
أوروبا ما تزال الشريك التجاري الأكبر للمغرب، وتمتلك قدرات اقتصادية ومالية وتكنولوجية هائلة، كما تحتفظ بأدوات تأثير واسعة في ملفات التجارة والاستثمار والتأشيرات والتمويل.
وفي المقابل، يحتاج المغرب إلى السوق الأوروبية والاستثمارات الأوروبية والتكنولوجيا والشراكات الصناعية.
لذلك فإن القوة المغربية الجديدة لا تتمثل في القدرة على فرض الشروط على أوروبا، وإنما في القدرة على رفع تكلفة تجاهل المصالح المغربية.
وهذا فارق جوهري.
فالدول لا تصبح قوية عندما تقطع علاقاتها بشركائها، بل عندما تجعل هذه العلاقات قائمة على مصالح متبادلة يصعب على أي طرف الاستغناء عنها بسهولة.
ولهذا يمكن أن تتخذ الشراكة المغربية الأوروبية في المستقبل أشكالًا أكثر تعقيدًا: التعاون في الهجرة مقابل شراكة أوسع في التنمية؛ الأمن مقابل التكنولوجيا؛ التجارة مقابل الاستثمار؛ الطاقة النظيفة مقابل نقل المعرفة؛ والحضور المغربي في أفريقيا مقابل بناء سلاسل قيمة مشتركة بين أوروبا والقارة.
من الموقع إلى النفوذ
المعادلة المغربية يمكن اختزالها في سلسلة واضحة: الجغرافيا تتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد ينتج مصالح، والمصالح تتحول إلى نفوذ، والنفوذ يمنح الدولة هامشًا أكبر للتفاوض.
لكن هذا المسار ليس مضمونًا.
فالموقع الاستراتيجي لا يكفي، والاستثمارات الخارجية وحدها لا تصنع القوة، والحضور الدبلوماسي لا يمكن أن يعوض الاختلالات الاقتصادية أو المؤسساتية. ولذلك فإن مستقبل النفوذ المغربي في علاقته بأوروبا سيظل مرتبطًا بقدرته على مواصلة الإصلاح الاقتصادي، وتطوير مؤسساته، وتنويع شراكاته، وتعزيز تنافسية اقتصاده، وتوسيع حضوره الأفريقي، وتحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة مضافة حقيقية.
السؤال، إذن، ليس ما إذا كان المغرب قد أصبح «قوة أوروبية»، فهذا توصيف لا يستقيم لا اقتصاديًا ولا سياسيًا.
السؤال الأكثر دقة هو: هل أصبح المغرب دولة يصعب على أوروبا تجاهل مصالحها؟
المؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تجعل الإجابة أقرب إلى نعم.
وهذا هو جوهر التحول. فالمغرب لم يعد يريد أن يُختزل في صورة الدولة التي تتولى جزءًا من حماية الحدود الأوروبية في جنوب المتوسط، كما لم يعد يرى علاقته بأوروبا باعتبارها علاقة مساعدة مقابل تعاون.
إنه يحاول الانتقال إلى مرحلة أخرى: شراكة تقوم على المصالح المتبادلة، وعلى الاعتراف بأن استقرار المتوسط وأمنه واقتصاده لا يمكن أن تُحدد شروطه من الضفة الشمالية وحدها.
وفي نهاية المطاف، لن تُقاس قوة المغرب بعدد الأوراق التي يمتلكها، وإنما بقدرته على تحويل هذه الأوراق إلى نتائج ملموسة، وعلى بناء شراكة مع أوروبا لا تقوم على التبعية ولا على المواجهة، بل على المصالح المشتركة والندية الواقعية.
فالمغرب لا يريد، في نهاية المطاف، أن يكون حارسًا لحدود أوروبا.
إنه يريد أن يكون شريكًا في رسم شروط الاستقرار حولها.