ألمانيا تشدد سياسة الترحيل: 390 مغربياً غادروا أراضيها خلال النصف الأول من 2026
مجدي فاطمة الزهراء
برلين — تكشف أحدث المعطيات الرسمية الصادرة عن الحكومة الاتحادية الألمانية عن استمرار تشدد سياسة الهجرة والإعادة، في وقت تسعى فيه برلين إلى إعادة تنظيم ملف اللجوء والإقامة وترحيل الأشخاص الملزمين قانوناً بمغادرة البلاد.
وبحسب رد الحكومة على سؤال برلماني تقدم به حزب «دي لينكه» (Die Linke)، رحّلت السلطات الألمانية 390 مواطناً مغربياً خلال النصف الأول من عام 2026، من بينهم 60 شخصاً أُعيدوا في إطار نظام دبلن، الذي يقوم على تحديد الدولة الأوروبية المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء، بما يحد من إمكانية تقديم الطلب نفسه في أكثر من دولة عضو.
وتضع هذه الأرقام المغرب ضمن الجنسيات التي شملتها عمليات الإعادة من الأراضي الألمانية، وإن كانت بعيدة عن صدارة القائمة التي تصدرها مواطنو تركيا.
الأتراك في صدارة المرحلين
وفق المعطيات الحكومية، بلغ عدد المواطنين الأتراك الذين رحّلتهم ألمانيا خلال الفترة نفسها 1565 شخصاً، بينما جاءت جنسيات أخرى، من بينها الجورجيون والجزائريون والسوريون والأفغان، ضمن أبرز المجموعات التي شملتها عمليات الإعادة.
وتشير البيانات إلى أن السلطات الألمانية نفذت 2390 عملية ترحيل في إطار إجراءات جماعية خلال النصف الأول من السنة، شملت 2217 شخصاً أعيدوا إلى بلدانهم الأصلية، فيما نُقل خمسة أشخاص إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي ليست بلدانهم الأصلية، بينما أُعيد 168 شخصاً إلى دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي.
الأرقام تعكس، في الوقت ذاته، تعدد الآليات القانونية التي تعتمدها ألمانيا لتنفيذ قرارات المغادرة، بين الإعادة إلى البلد الأصلي والتحويل إلى دولة أوروبية أخرى مسؤولة عن ملف طالب اللجوء.
القوة في عمليات الترحيل تثير الجدل
غير أن الجانب الأكثر حساسية في المعطيات يتعلق بالظروف التي رافقت تنفيذ بعض عمليات الإبعاد.
فالحكومة الألمانية أفادت باستخدام وسائل القوة والإكراه البدني في 786 حالة، سواء خلال تسليم الأشخاص إلى الشرطة الاتحادية أو أثناء تنفيذ عمليات الترحيل على متن الرحلات الجوية.
كما توقفت أو أُلغيت 734 عملية ترحيل لأسباب متعددة، من بينها مقاومة الأشخاص المعنيين، وظهور مشكلات صحية طارئة، فضلاً عن تقديم طعون قضائية في وقت متأخر ضد قرارات الإعادة.
وتفتح هذه الأرقام مجدداً النقاش حول التوازن بين حق الدولة في تنفيذ قرارات الإبعاد وبين ضرورة احترام الضمانات القانونية والإنسانية للأشخاص المعنيين.
المرض والأطفال في قلب الانتقادات
ولا تقتصر الإشكالات على استخدام القوة. فقد أشار الرد الحكومي إلى وجود تحفظات من جهات ألمانية بشأن بعض عمليات الترحيل التي شملت أشخاصاً يعانون من أمراض جسدية أو نفسية حادة، إضافة إلى حالات تخص أطفالاً يعانون من اضطرابات في النمو وأمراض مزمنة.
كما تجاوز عدد عمليات الترحيل التي طالت النساء 1900 حالة، وفق المعطيات الواردة في الرد البرلماني، الأمر الذي يضيف بعداً اجتماعياً وإنسانياً إلى الجدل المتواصل حول سياسة الإعادة الألمانية.
هذه الحالات تطرح سؤالاً أساسياً حول حدود تنفيذ قرارات الترحيل عندما تتقاطع مع أوضاع صحية أو أسرية بالغة التعقيد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو الأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية طبية مستمرة.
تصاعد الترحيل القسري خلال السنوات الأخيرة
وتكشف البيانات عن مسار تصاعدي واضح في عمليات الترحيل القسري من ألمانيا.
فبعد تسجيل أكثر من 16 ألف عملية ترحيل في عام 2023، ارتفع العدد إلى نحو 20 ألفاً في 2024، قبل أن يتجاوز 22 ألفاً خلال عام 2025.
وكان المواطنون الأتراك والجورجيون من بين أكثر الجنسيات التي شملتها عمليات الترحيل خلال العام الماضي، في مؤشر على اتساع نطاق سياسة الإعادة الألمانية وتزايد اعتماد السلطات على تنفيذ قرارات المغادرة بالقوة عندما يتعذر الرحيل الطوعي.
إيران والعراق… الوجه الأكثر حساسية
وتكتسب عمليات الإعادة إلى بعض البلدان حساسية خاصة بسبب الأوضاع الأمنية والحقوقية فيها.
فبحسب المعطيات الواردة في الرد، رحّلت ألمانيا 18 شخصاً إلى إيران و793 شخصاً إلى العراق، رغم الانتقادات المرتبطة بالوضع الحقوقي في البلدين.
ويزداد الجدل حدة عندما يتعلق الأمر بأفراد ينتمون إلى أقليات تعرضت للاضطهاد، إذ أشارت المعطيات إلى أن عمليات الإعادة إلى العراق قد تشمل أيضاً ناجين من الاضطهاد الذي تعرض له أفراد من الطائفة الإيزيدية.
وهنا يظهر التحدي الذي تواجهه السياسة الألمانية: كيف يمكن تنفيذ قرارات الإعادة مع ضمان عدم تعريض الأشخاص المرحلين لخطر الاضطهاد أو انتهاك حقوقهم الأساسية؟
المغادرة الطوعية كبديل للترحيل القسري
وفي المقابل، لا تعتمد ألمانيا على الترحيل القسري وحده. فقد عاد أكثر من 16 ألف شخص خلال عام 2025 إلى بلدانهم الأصلية بمساعدة مالية في إطار برامج حكومية اتحادية وبرامج الولايات الألمانية لدعم العودة وإعادة الاندماج.
ويمثل هذا المسار محاولة لتقديم المغادرة الطوعية باعتبارها بديلاً أقل كلفة وأقل إثارة للتوتر من عمليات الترحيل القسري، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يرغبون في مواجهة إجراءات الإبعاد الإجباري.
كما يمكن للمساعدة المالية وبرامج إعادة الاندماج أن توفر، في بعض الحالات، دعماً أولياً للعائدين لإعادة بناء حياتهم في بلدانهم الأصلية.
259 ألف شخص ملزمون بالمغادرة
وفي نهاية يونيو 2026، كان يوجد في ألمانيا نحو 259 ألف شخص ملزمين بمغادرة البلاد.
لكن الرقم لا يعني أن جميع هؤلاء الأشخاص كانوا على وشك الترحيل الفوري. فحوالي 77 في المائة منهم كانوا يحملون تصاريح إقامة مؤقتة، تُمنح عندما يتعذر تنفيذ الترحيل مؤقتاً، لأسباب قد تتعلق بعدم توفر وثائق السفر أو بظروف صحية أو أسرية، من بين أسباب أخرى.
وتوضح هذه النقطة مدى تعقيد ملف الإقامة والمغادرة في ألمانيا، إذ إن وجود قرار قانوني بالمغادرة لا يعني بالضرورة إمكانية تنفيذه مباشرة.
ليس كل الملزمين بالمغادرة طالبي لجوء
ومن المعطيات اللافتة أيضاً أن أكثر من 60 في المائة من الأشخاص الملزمين بالمغادرة في نهاية يونيو كانوا من طالبي اللجوء المرفوضين.
لكن بقية الحالات تنتمي إلى فئات مختلفة، إذ يمكن أن يشمل الالتزام بالمغادرة عمالاً مهاجرين فقدوا وظائفهم ولم يتمكنوا من تسوية وضعهم القانوني، وسياحاً انتهت صلاحية تأشيراتهم، إضافة إلى طلاب انتهت إقامتهم ولم يحصلوا على تصريح إقامة جديد.
وهذا التفصيل مهم لأنه يوضح أن قضية «الترحيل» لا ترتبط حصراً بملف اللجوء، وإنما تشمل أيضاً أشخاصاً دخلوا ألمانيا لأغراض مختلفة ثم وجدوا أنفسهم، لأسباب قانونية أو إدارية، خارج شروط الإقامة.
لماذا تراجعت عمليات الترحيل في 2026؟
وترجع الحكومة الألمانية انخفاض عمليات الترحيل خلال النصف الأول من عام 2026، بالدرجة الأولى، إلى الانخفاض الملحوظ في عدد طلبات اللجوء المقدمة في ألمانيا منذ بداية عام 2025.
ويعني ذلك أن تراجع أعداد المرحلين لا يعكس بالضرورة تحولاً جذرياً في سياسة الحكومة تجاه الإعادة، بل يرتبط أيضاً بتغير حجم التدفقات والهجرة غير النظامية وطلبات اللجوء.
ومن منظور أوسع، تبدو ألمانيا أمام معادلة دقيقة: تشديد الرقابة وتنفيذ قرارات المغادرة من جهة، والحفاظ على الضمانات القانونية والإنسانية من جهة أخرى.
المغرب في قلب النقاش الأوروبي
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن ترحيل 390 مواطناً خلال ستة أشهر يضع ملف الهجرة والإعادة بين الرباط وبرلين في سياق أوروبي أوسع. فالمغرب، مثل عدد من دول جنوب المتوسط، يتعامل مع مسألة إعادة مواطنيه الذين لا تتوفر لهم شروط الإقامة في أوروبا، في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى تسريع إجراءات العودة.
غير أن أرقام الترحيل لا تختزل وحدها طبيعة العلاقة بين الهجرة والمغرب وأوروبا. فغالبية أفراد الجالية المغربية المقيمة بألمانيا يعيشون في إطار قانوني، ويشكلون جزءاً مستقراً من المجتمع الألماني، بينما تتركز عمليات الإعادة على حالات محددة تخضع لقرارات إدارية وقضائية.
وبين متطلبات الدولة في فرض قوانين الهجرة، والحق في الحماية الدولية، والاعتبارات الإنسانية المرتبطة بالصحة والأطفال والأسرة، يبقى ملف الترحيل واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة الألمانية.
فوراء كل رقم يوجد ملف إنساني وقانوني معقد، وبين قرار المغادرة وتنفيذه تمتد شبكة من الإجراءات والطعون والضمانات. وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي أمام برلين لا يتمثل فقط في زيادة عدد المرحلين، بل في ضمان أن تتم عمليات الإعادة وفق القانون، مع احترام الكرامة الإنسانية وعدم إعادة أي شخص إلى وضع قد يهدد سلامته أو حقوقه الأساسية.