سبتة تحت وطأة التوتر: حين يتحول الغضب من أزمة الهجرة إلى استهداف المهاجرين
سومية العلكي
سبتة – لم يعد ملف الهجرة في مدينة سبتة المحتلة يقتصر على تدبير أمني أو إداري لأزمة عابرة، بعدما انتقل التوتر خلال الساعات الأخيرة إلى الشارع، حيث شهدت مناطق ساحلية تجمعات احتجاجية استهدفت المهاجرين المقيمين في ظروف هشة، وأفضت إلى تخريب مآوٍ مؤقتة ومنع وصول مساعدات إنسانية إليهم.
وشهد شاطئا «بينيتيز» و«إل ترامبولين» تحركات متوترة شارك فيها مئات الأشخاص، في سياق احتقان اجتماعي متزايد على خلفية تدفقات الهجرة التي شهدتها سبتة منذ أواخر يوليوز. ولم تتوقف الاحتجاجات عند التعبير عن رفض طريقة تدبير السلطات للأزمة، بل اتخذت في بعض الحالات طابعاً مباشراً ضد المهاجرين أنفسهم، من خلال إتلاف ممتلكاتهم وإحراق بعض المآوي المؤقتة ودفعهم إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً.
وتضع هذه التطورات السلطات الإسبانية أمام معادلة شديدة التعقيد: الاستجابة لمخاوف السكان المحليين من جهة، وضمان حماية أشخاص يوجدون في وضعية هشاشة قصوى من جهة أخرى، ولا سيما أن جزءاً من المهاجرين يعيش منذ أسابيع في العراء، في انتظار استكمال الإجراءات التي تحدد مصيرهم.
عندما يصبح الشارع جزءاً من أزمة الهجرة
بدأت التطورات الأخيرة خلال ليلة الأربعاء إلى الخميس، عندما تحرك نحو 400 شخص باتجاه شاطئ «إل ترامبولين»، حيث يوجد عدد من المهاجرين الذين لم يتمكنوا بعد من الانتقال إلى مراكز الإيواء.
وتدخلت قوات الأمن لمنع وصول المحتجين إلى أماكن تجمع المهاجرين، قبل أن يتمكن بعض المشاركين من الوصول إلى المآوي المؤقتة وإلقاء أغطية وأمتعة في البحر. وأفادت وسائل إعلام إسبانية بأن الشرطة استخدمت معدات مكافحة الشغب للسيطرة على الوضع ومنع اتساع رقعة المواجهة.
وقد تبدو الأغطية والأمتعة التي تعرضت للإتلاف مجرد مقتنيات بسيطة، لكنها بالنسبة إلى أشخاص ينامون في العراء تمثل الحد الأدنى من وسائل الحماية والاستقرار. ولذلك فإن تدميرها لا يمكن فصله عن طبيعة الظروف الإنسانية التي يعيشها هؤلاء المهاجرون منذ وصولهم إلى المدينة.
المساعدات الإنسانية في قلب المواجهة
في اليوم التالي، تصاعد التوتر عندما احتشد عشرات المحتجين على طريق «بينيتيز»، لمنع قافلة تابعة للصليب الأحمر من الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات.
وكانت القافلة تحمل مواد غذائية ومياه للشرب موجهة إلى المهاجرين الموجودين في محيط «إل ترامبولين» ومناطق أخرى من المدينة. غير أن المحتجين قطعوا الطريق ورددوا شعارات معادية للمنظمة الإنسانية، قبل أن تضطر القافلة إلى الانسحاب، وفق المعطيات المتداولة حول الواقعة.
ويكشف هذا التطور عن تحول مهم في طبيعة الأزمة. فحين يصبح الماء والغذاء موضوعاً للمواجهة السياسية أو الاجتماعية، فإن الخلاف لم يعد يدور فقط حول سياسات الهجرة، وإنما بات يمس مباشرة المبادئ الأساسية للاستجابة الإنسانية.
فالمساعدات الموجهة إلى أشخاص في وضعية هشاشة لا ترتبط بموقف سياسي من الهجرة، بل بواجب حماية الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، بصرف النظر عن الوضع الإداري للمستفيدين منها.
من الاحتجاج إلى تخريب المآوي
لاحقاً، انتقلت مجموعات من المحتجين إلى شاطئ «بينيتيز»، حيث تمكن عدد منهم من اختراق الطوق الأمني والوصول إلى تجمع صغير للمهاجرين.
وبحسب المعطيات المتداولة، فرّ عدد من المهاجرين نحو مناطق مجاورة، بينما تعرضت بعض المآوي للتكسير والإتلاف، وأضرمت النيران في عدد من المظلات والأغطية التي كانت تستخدم كأماكن للنوم والاحتماء.
وتدخلت وحدات أمنية لتفريق المحتجين واحتواء الوضع، بعدما رفعت أعلام إسبانية وصدرت هتافات تطالب المهاجرين بمغادرة المنطقة.
غير أن خطورة هذه المشاهد لا تكمن فقط في حجم الأضرار المادية، وإنما في انتقال الاحتجاج من مساءلة السلطات حول تدبير ملف الهجرة إلى استهداف أشخاص موجودين في وضعية غير مستقرة أصلاً.
فالمهاجر الذي ينتظر منذ أسابيع تحديد مصيره الإداري لا يملك في الغالب القدرة على التأثير في القرارات التي أبقته في هذه الوضعية. ولذلك فإن تحويله إلى هدف مباشر للغضب الشعبي قد يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.
المغرب يطالب باستعادة مواطنيه
في موازاة ذلك، لا تبدو عودة المواطنين المغاربة العالقين في سبتة متوقفة، وفق المعطيات الرسمية المتداولة، على رفض الرباط استقبالهم.
وكان وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي قد طالب الجانب الإسباني بتمكين المغرب من استعادة مواطنيه الذين دخلوا سبتة خلال موجة الهجرة الأخيرة، إلى جانب تسليم جثامين المتوفين. كما جددت الرباط مطالبها المتعلقة باستعادة القاصرين المغاربة والعمل على تجاوز العراقيل الإدارية والقضائية التي تحول دون عودتهم إلى أسرهم.
من جهته، أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس وجود تنسيق مع المغرب بشأن عودة المواطنين المغاربة، مشيراً إلى أن الرباط لم تربط هذا التعاون بأي مقابل.
لكن التنسيق السياسي بين البلدين يصطدم بتعقيدات قانونية وإدارية على الجانب الإسباني، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد هوية الأشخاص، ودراسة أوضاع طالبي اللجوء، وتحديد من تنطبق عليهم شروط الإعادة، فضلاً عن الضمانات القانونية الخاصة بالقاصرين.
أزمة إدارية تتحول إلى أزمة إنسانية
بعد مرور أسابيع على موجة الهجرة، أصبحت المشكلة في سبتة تتجاوز سؤال الدخول إلى الأراضي الإسبانية أو مغادرتها. إنها أزمة انتظار طويلة يعيش خلالها المهاجرون في منطقة جغرافية ضيقة، في ظروف معيشية صعبة، بينما تتحرك الإجراءات الرسمية بوتيرة أبطأ من تطورات الشارع.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فكلما طال أمد الإجراءات، ازداد الضغط على السلطات المحلية، وارتفع منسوب الاحتقان لدى السكان، بينما يجد المهاجرون أنفسهم عالقين بين نظام قانوني معقد وواقع اجتماعي أكثر عدائية.
ولا يمكن أن تشكل الصعوبات الإدارية مبرراً لترك أشخاص في وضعية هشّة من دون حماية كافية، كما أن المخاوف المشروعة للسكان بشأن الأمن وتنظيم الهجرة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستهداف المهاجرين أو حرمانهم من المساعدات الأساسية.
بين الأمن والكرامة
تكشف أحداث سبتة الأخيرة عن الوجه الأكثر حساسية لأزمة الهجرة: عندما تتعطل الحلول السياسية والإدارية، يصبح الشارع ساحة لتفريغ الغضب، وغالباً ما يكون الطرف الأضعف هو أول من يدفع الثمن.
المطلوب، في هذه المرحلة، ليس فقط تعزيز الحضور الأمني، وإنما تسريع الإجراءات القانونية، وتوفير أماكن إيواء لائقة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب تسريع التنسيق المغربي الإسباني بشأن عودة المواطنين الذين تنطبق عليهم شروط الإعادة.
فالخلاف حول الهجرة يمكن أن يكون سياسياً وقانونياً وأمنياً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على الغذاء والماء أو إلى اعتداء على أشخاص يعيشون أصلاً في أقصى درجات الهشاشة.
وفي سبتة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة والهجرة مع العلاقات المغربية الإسبانية، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى إدارة الأزمة بعقلانية، قبل أن يتحول الاحتقان الاجتماعي إلى واقع دائم يصعب احتواؤه.