بلجيكا: من يملأ الفراغ الديني؟ المساجد بين غياب الاعتراف الرسمي وتنافس المرجعيات
بوشعيب البازي
في المشهد الديني البلجيكي، لم يعد السؤال مقتصراً على عدد المساجد أو حجم حضور المسلمين، بل أصبح مرتبطاً بمن يملك القدرة على تأطير هذا الحضور وتمثيله والتحدث باسمه أمام السلطات والمجتمع. وبينما تتوسع حاجات الجالية المسلمة، تبدو المؤسسات الدينية في كثير من الحالات أمام واقع أكثر تعقيداً: مساجد تعمل محلياً، لكنها لا تجد دائماً إطاراً مؤسساتياً واضحاً يضمن الاعتراف بها وتنظيم علاقتها بالسلطات.
هذا الوضع يفتح الباب أمام تعدد المرجعيات وتنافسها، في وقت لا تزال فيه مسألة تمثيل المسلمين وتنظيم الشأن الإسلامي في بلجيكا موضوعاً حساساً، تتداخل فيه الاعتبارات الدينية والقانونية والسياسية والاجتماعية.
فراغ مؤسساتي يتسع
كان وجود هيئات ذات امتداد مغربي، من بينها المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، وكذلك أطر تمثيلية للمسلمين في بلجيكا، يتيح لفترات معينة توفير قدر من التأطير الديني والحوار مع الفاعلين المحليين.
لكن تراجع أدوار بعض هذه المؤسسات أو محدودية حضورها في عدد من الملفات ترك فراغاً لم تتمكن المؤسسات المحلية دائماً من ملئه. والنتيجة أن العديد من المساجد أصبحت تدير شؤونها بصورة شبه مستقلة، مع تفاوت كبير في الإمكانات والتنظيم والعلاقات مع السلطات.
المشكلة لا تكمن في استقلالية المسجد باعتبارها مبدأً، وإنما في غياب إطار مؤسساتي متماسك يسمح بالجمع بين استقلال القرار الديني واحترام القوانين البلجيكية ومتطلبات الشفافية والحكامة.
الاعتراف الرسمي: عقدة مستمرة
يظل الاعتراف بالمساجد واحداً من أكثر الملفات حساسية. فالمسجد لا يؤدي وظيفة العبادة فقط؛ بل أصبح في عدد من المدن فضاءً للتعليم الديني، وتأطير الشباب، والعمل الاجتماعي، ومواكبة الأسر، وتنظيم الجنائز والمناسبات الدينية.
ومع ذلك، فإن مسار الاعتراف الرسمي يخضع لشروط قانونية وإدارية تختلف بحسب الأقاليم والسلطات المختصة، وهو ما يجعل عدداً من المساجد يعيش وضعاً مؤسساتياً غير مستقر أو ينتظر سنوات قبل تسوية وضعيته.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: المجتمع البلجيكي يعترف عملياً بوجود حضور إسلامي راسخ، بينما لا تزال البنية المؤسساتية التي تؤطر جزءاً من هذا الحضور تعاني من التعقيد والبطء.
ولا يتعلق الأمر فقط بمسألة الاعتراف المالي أو الإداري، بل أيضاً بسؤال أعمق: من يمثل المسجد أمام الدولة؟ ومن يتحمل مسؤولية التكوين الديني والحكامة والشفافية؟
الأتراك والمغاربة والألبان: تنافس على المجال الديني
في هذا الفراغ، برزت بصورة أكثر وضوحاً تعددية المرجعيات داخل الحقل الإسلامي البلجيكي. فالمساجد المرتبطة تاريخياً بالجاليات التركية، إلى جانب المساجد ذات الحضور المغربي، والألبانية وغيرها، تشكل مكونات أساسية للمشهد الديني في البلاد.
هذا التنوع ليس في حد ذاته مشكلة. بل يعكس تاريخ الهجرة وتعدد الأصول الثقافية للمسلمين في بلجيكا.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول التنوع إلى تنافس على النفوذ والتمثيل، أو عندما تصبح بعض المؤسسات الدينية مرتبطة بصورة قوية بمرجعيات خارجية، بما يجعل المسجد المحلي جزءاً من حسابات تتجاوز احتياجات المصلين اليومية.
فالمغربي والتركي والألباني الذي يعيش في بلجيكا منذ عقود قد يحمل ذاكرة دينية وثقافية مرتبطة ببلد الأصل، لكنه يعيش في الوقت نفسه داخل دولة لها قوانينها ومؤسساتها ونظامها التعليمي والاجتماعي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذج ديني قادر على الجمع بين الجذور الثقافية والمواطنة البلجيكية.
عندما تتحول المرجعية الخارجية إلى إشكال
لا يمكن اختزال الحضور الخارجي في صورة واحدة. فوجود علاقات دينية وثقافية مع بلدان الأصل أمر طبيعي في مجتمعات الهجرة، كما أن التعاون الدولي في المجال الديني ليس بالضرورة تدخلاً سياسياً.
لكن الخط الفاصل يصبح أكثر دقة عندما تتحول هذه العلاقات إلى تأثير مباشر في قرارات المؤسسات المحلية أو في اختيار الأئمة أو في تحديد أولويات المساجد، بعيداً عن آليات واضحة للشفافية والمساءلة.
وهنا لا يتعلق الأمر ببلد بعينه، بل بمبدأ عام ينبغي أن ينطبق على الجميع: الشأن الديني داخل بلجيكا يحتاج إلى مؤسسات محلية قوية، قادرة على الحوار مع الخارج من موقع الندية، لا إلى مؤسسات تابعة له.
فالمسجد البلجيكي ليس امتداداً إدارياً لأي دولة أجنبية، كما أن الإمام الذي يعمل في بلجيكا يحتاج إلى فهم المجتمع الذي يخاطبه، وليس فقط اللغة الدينية التي يلقن بها النصوص.
أزمة تمثيل قبل أن تكون أزمة دين
المفارقة أن جزءاً كبيراً من الأزمة الحالية لا يتعلق بالدين نفسه، وإنما بمن يمثل المسلمين وكيف تتم إدارة المؤسسات الدينية.
فالمساجد موجودة، والمصلون موجودون، والأئمة موجودون، والجمعيات موجودة؛ لكن ما ينقص في كثير من الأحيان هو التنسيق المؤسسي القادر على تحويل هذه الطاقات المتفرقة إلى منظومة واضحة العلاقة بالدولة والمجتمع.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتعدد الهيئات التي تتحدث باسم المسلمين، بينما تظل شرائح واسعة من الأئمة والمساجد والجمعيات خارج أي تمثيل فعلي.
والنتيجة هي مشهد مجزأ: كل مسجد يدبر شؤونه، وكل شبكة دينية تحاول حماية مجال نفوذها، بينما تبحث السلطات عن مخاطب مؤسساتي موثوق يمكن مساءلته والاتفاق معه.
الحاجة إلى نموذج بلجيكي
بعد عقود من الهجرة، لم يعد منطقياً التعامل مع الإسلام في بلجيكا باعتباره مجرد امتداد ديني للجاليات القادمة من الخارج.
لقد نشأ جيل مسلم بلجيكي لا ينظر بالضرورة إلى بلدان الأصل باعتبارها مرجعيته الوحيدة. وهو يحتاج إلى أئمة يتحدثون لغته، ويفهمون واقعه الاجتماعي، ويعرفون القوانين والمؤسسات البلجيكية، وقادرون على مخاطبة الشباب حول قضايا المواطنة والاندماج والتطرف والأسرة والتعليم.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في النموذج المؤسساتي للشأن الإسلامي، بعيداً عن منطق المنافسة بين المرجعيات الوطنية.
المطلوب ليس إقصاء المرجعيات المغربية أو التركية أو الألبانية، ولا قطع الصلات الثقافية مع بلدان الأصل، وإنما بناء مؤسسات دينية بلجيكية حقيقية، تتمتع بالاستقلالية والشفافية والكفاءة، وتستطيع في الوقت نفسه الحفاظ على الروابط الثقافية التي تشكل جزءاً من هوية المسلمين.
الدولة أيضاً أمام مسؤوليتها
غير أن تحميل المساجد وحدها مسؤولية هذا الوضع سيكون تبسيطاً للمشكلة.
فالسلطات البلجيكية مطالبة بدورها بتوفير قواعد واضحة وشفافة للاعتراف بالمؤسسات الدينية، وتطبيقها بصورة متساوية، وعدم ترك المساجد في منطقة رمادية بين الاعتراف القانوني والوجود الفعلي.
كما أن أي سياسة عمومية تجاه الإسلام تحتاج إلى تجاوز المقاربة الأمنية وحدها. فالأمن جزء من المعادلة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن سياسة دينية ومؤسساتية واضحة.
إن ترك المساجد تعمل في فراغ مؤسساتي لا يلغي الحاجة إلى التنظيم؛ بل قد يدفعها، في بعض الحالات، إلى البحث عن الدعم والتأطير خارج الإطار البلجيكي.
من يملأ الفراغ؟
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان الإسلام سيجد مكانه في بلجيكا؛ فقد أصبح جزءاً ثابتاً من النسيج الاجتماعي للبلاد.
السؤال هو: أي نموذج إسلامي سيترسخ داخل بلجيكا؟
نموذج تتنافس فيه المرجعيات الخارجية على المساجد، أم نموذج مؤسساتي بلجيكي يحتفظ بتنوعه الثقافي ويخضع في الوقت نفسه لقواعد واضحة من الشفافية والحكامة؟
بين هذين الخيارين، تقف المساجد في منطقة وسطى. فهي مطالبة بأن تكون مؤسسات دينية محلية، لكنها لا تزال في حالات عديدة تبحث عن الاعتراف والتنظيم والتمثيل.
وإذا استمر هذا الفراغ، فإن المجال لن يبقى شاغراً. ستملؤه شبكات متعددة، بعضها محلي وبعضها عابر للحدود، وسيصبح التنافس على المسجد في نهاية المطاف تنافساً على التأثير في جزء من المجتمع المسلم نفسه.
لهذا فإن مستقبل الشأن الديني في بلجيكا لن يتحدد فقط داخل المساجد، وإنما أيضاً في قدرة الدولة والجمعيات والقيادات الدينية على بناء عقد مؤسساتي جديد: دين يمارس بحرية، مؤسسات تخضع للقانون، ومرجعيات خارجية لا تتحول إلى سلطة فوق المؤسسات البلجيكية.