إسبانيا تشرع في ترحيل مهاجرين جزائريين من سبتة بعد استنفاد مساطر الحماية الدولية
مجدي فاطمة الزهراء
دخلت أزمة الهجرة في مدينة سبتة مرحلة جديدة مع شروع السلطات الإسبانية في تنفيذ قرارات إبعاد بحق مهاجرين جزائريين كانوا يقيمون في مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين «CETI»، وذلك بعد استكمال المساطر الإدارية والقضائية المرتبطة بملفاتهم.
وكان وزير السياسة الترابية والذاكرة الديمقراطية الإسباني، أنخيل فيكتور توريس، قد أعلن في 16 شتنبر الجاري أن السلطات استكملت ملفات 51 مواطناً جزائرياً دخلوا سبتة قبل موجة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز، مؤكداً أن المعنيين استنفدوا المسار الإداري المرتبط بطلبات الحماية الدولية.
وبحسب وسائل إعلام محلية في سبتة، اتضح لاحقاً أن العدد الإجمالي للجزائريين المعنيين بعملية النقل والإبعاد يبلغ 63 شخصاً، وهو ما يفسر الاختلاف بين الرقم الذي أعلنه الوزير في البداية والعدد الإجمالي الذي باشرت السلطات نقله إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
من مركز الإقامة إلى إجراءات الإبعاد
وتأتي هذه العملية بعد فترة طويلة من الإقامة في مركز «CETI»، في انتظار البت النهائي في الملفات الإدارية المتعلقة بالحماية الدولية.
وبعد استكمال الإجراءات، نُقل أفراد المجموعة تحت حراسة أمنية إلى خارج سبتة، في إطار المسار القانوني الذي يسبق الإبعاد من الأراضي الإسبانية. وأفادت مصادر محلية بأن جزءاً من المجموعة نُقل بحراً إلى الجزيرة الخضراء، بينما تحدثت مصادر أخرى عن نقل المعنيين إلى مركز احتجاز للأجانب داخل شبه الجزيرة تمهيداً لتنفيذ قرارات الإبعاد.
وتؤكد هذه التطورات أن السلطات الإسبانية بدأت الانتقال من مرحلة معالجة الملفات إلى مرحلة تنفيذ قرارات العودة بالنسبة إلى الحالات التي استنفدت المساطر القانونية ولم يعد لديها مسار إداري مفتوح للحماية.
خطوة مرتبطة بأزمة سبتة
وتكتسي العملية أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي في خضم تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز، عندما دخل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة في واحدة من أكبر موجات العبور التي عرفتها المنطقة.
وتشير المعطيات المتداولة حالياً إلى أن أعداداً كبيرة من الوافدين غادروا المدينة أو عادوا إلى المغرب، بينما لا يزال آلاف الأشخاص في سبتة، حيث تواصل السلطات الإسبانية دراسة أوضاعهم القانونية، بما في ذلك طلبات اللجوء والحماية الدولية وإجراءات العودة.
وفي 18 شتنبر، شرعت السلطات الإسبانية أيضاً في نقل مئات المهاجرين الذين كانوا يقيمون في مخيمات مؤقتة على شواطئ سبتة إلى مركز استقبال أقيم في منطقة الميناء، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 1700 شخص. وترافق ذلك مع توتر وتدافع بسبب محدودية الأماكن المتاحة.
التمييز بين الجنسية والمسار القانوني
وتكشف حالة المهاجرين الجزائريين عن مسار مختلف نسبياً داخل إدارة أزمة سبتة، إذ إن المجموعة المعنية دخلت المدينة قبل موجة العبور الكبرى، كما أن ملفاتها خضعت لمسار إداري مستقل عن التدفق الجماعي الذي وقع في نهاية يوليوز.
ومن الناحية القانونية، فإن تنفيذ قرار الإبعاد لا يرتبط بمجرد جنسية المهاجر، وإنما بنتيجة دراسة وضعه القانوني، واستنفاد المساطر المتاحة أمامه، وصدور قرار قابل للتنفيذ وفق التشريع الإسباني.
ولهذا فإن ربط هذه العملية حصراً بالتطورات السياسية المرتبطة بأزمة سبتة قد يحجب جانباً مهماً من طبيعتها القانونية والإدارية، باعتبارها جزءاً من معالجة ملفات مهاجرين سبق أن استنفدوا مسار الحماية أو الطعن المتاح لهم.
مدريد أمام اختبار إدارة ما بعد الأزمة
وتضع التطورات الأخيرة الحكومة المركزية الإسبانية أمام تحدٍّ مزدوج: فمن جهة، يتعين عليها تسريع معالجة آلاف الملفات المتراكمة، ومن جهة أخرى، يتعين عليها ضمان احترام الضمانات القانونية المرتبطة بطلبات اللجوء والحماية الدولية.
وكان توريس قد أعلن أن الحكومة عززت الموارد البشرية المخصصة لمعالجة الملفات، بما في ذلك عناصر من الشرطة وموظفين ومحامين وقضاة، بهدف تقليص آجال الإجراءات وتسريع الانتقال من مرحلة دراسة الملفات إلى تنفيذ القرارات النهائية.
وفي هذا السياق، لا تبدو عملية إبعاد الجزائريين مجرد إجراء منفصل، وإنما جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها مدريد إلى إعادة تنظيم وضعية المهاجرين الموجودين في سبتة بعد أزمة يوليوز، وفق مسارات مختلفة تشمل العودة، والحماية الدولية، وإعادة التوطين أو الإقامة القانونية، بحسب وضع كل حالة.
أزمة إنسانية تتجاوز أرقام الترحيل
وتظل أزمة سبتة، رغم الإجراءات الإدارية والأمنية المتخذة، أزمة إنسانية وقانونية معقدة. فالأرقام وحدها لا تعكس طبيعة الملفات الفردية للمهاجرين، ولا الظروف التي دفعتهم إلى عبور الحدود، ولا المسارات القانونية التي يحق لكل شخص الاستفادة منها.
وفي الوقت الذي تتجه فيه مدريد إلى تسريع عمليات الإبعاد بالنسبة إلى الحالات التي استنفدت جميع مراحلها القانونية، يستمر في المقابل مسار دراسة طلبات الحماية بالنسبة إلى أشخاص آخرين، وهو ما يجعل إدارة الأزمة عملية متعددة المسارات وليست مجرد حملة ترحيل جماعية.
وبذلك، فإن نقل المجموعة الجزائرية من سبتة يمثل أول مؤشر واضح على دخول مرحلة تنفيذ قرارات العودة بالنسبة إلى بعض المهاجرين الذين استنفدوا مساراتهم القانونية، في وقت لا تزال فيه المدينة تواجه تداعيات واحدة من أكثر أزمات الهجرة تعقيداً في تاريخها الحديث.