بين أزمة سبتة وحرب السرديات: حين تتحول الخصومة مع المغرب إلى قناعة مسبقة

بوشعيب البازي

سانشيز بين التقارير الاستخباراتية وضغط الروايات الجاهزة

لم يعد الجدل الإسباني حول المغرب مقتصراً على الخلافات السياسية أو الدبلوماسية التقليدية، بل انتقل في السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الوقائع الاستخباراتية مع الحسابات الحزبية والإعلامية، وتتنافس فيه الروايات حول المسؤولية عن الأزمات التي تقع على الضفة الجنوبية للمتوسط.

وفي قلب هذا النقاش يقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي ظل، في أكثر من مناسبة، يؤكد أن موقف حكومته يجب أن يستند إلى ما تقدمه أجهزة الدولة من معطيات، لا إلى التخمينات أو الأحكام المسبقة. وفي أزمة سبتة الأخيرة، كرر أمام البرلمان أن الحكومة الإسبانية لم تتلق، حتى الآن، دليلاً صلباً يثبت أن السلطات المغربية خططت أو نفذت موجة العبور الجماعي التي شهدتها المدينة في نهاية يوليوز 2026.

لكن هذا الموقف لم ينه الجدل. فالمعارضة الإسبانية، إلى جانب أصوات سياسية وإعلامية أخرى، واصلت طرح فرضية وجود دور مغربي في الأزمة، مستندة أساساً إلى الطريقة التي تعاملت بها السلطات المغربية مع موجة العبور خلال الساعات الأولى.

ما الذي تقوله المعطيات الاستخباراتية؟

تكشف الوثائق التي رفعت عنها السرية لاحقاً أن مركز الاستخبارات الوطني الإسباني كان قد رصد، قبل اندلاع الأزمة، دعوات واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ عملية عبور جماعي نحو سبتة، بل أبلغ السلطات الإسبانية والمغربية بهذه المعطيات قبل يوم من الأحداث.

وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط القضية حساسية: وجود تحذيرات استخباراتية مسبقة لا يعني، في حد ذاته، إثبات وجود قرار رسمي مغربي بتنظيم العملية. وهذا تحديداً ما ظل سانشيز يؤكده، مميزاً بين وجود مؤشرات على تحركات أو دعوات للعبور، وبين امتلاك دليل يثبت أن الدولة المغربية خططت للعملية أو أمرت بتنفيذها.

بل إن وثيقة استخباراتية إسبانية مؤرخة في 30 يوليوز أشارت إلى أن السلطات المغربية، وفق التقدير الاستخباراتي في ذلك الوقت، لم تكن على الأرجح تشجع موجة الهجرة بصورة مباشرة، وإن كانت قد تصرفت بطريقة سلبية أو متساهلة خلال جزء من الأزمة.

وبالتالي، فإن النقاش الموضوعي يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: التحذير الاستخباراتي من احتمال وقوع عملية عبور جماعي، وطريقة تعامل السلطات المغربية مع الأحداث على الأرض، ثم مسألة التخطيط أو التوجيه الرسمي من جانب الدولة المغربية. ولا يمكن منطقياً تحويل المستوى الأول أو الثاني تلقائياً إلى إثبات للمستوى الثالث.

المغرب بين الوقائع وصناعة الصورة النمطية

المشكلة الأوسع لا تتعلق فقط بأزمة سبتة، وإنما بالطريقة التي يُقدَّم بها المغرب في جزء من الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني.

فثمة تيار من الخطاب العام يبدو أحياناً وكأنه ينطلق من نتيجة مسبقة، ثم يبحث لاحقاً عن الوقائع التي يمكن توظيفها لتأكيدها. وفي مثل هذه الحالة، تتحول كل أزمة حدودية أو هجرة أو خلاف دبلوماسي إلى مناسبة لإعادة إنتاج الصورة نفسها: المغرب باعتباره الطرف الذي يقف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وراء كل أزمة تمس إسبانيا.

غير أن العمل الصحافي الجاد لا يمكن أن يقوم على القناعة المسبقة، أياً كان اتجاهها. فاتهام دولة بالتخطيط لحدث ذي أبعاد أمنية وإنسانية وسياسية يتطلب أدلة قابلة للتحقق، وليس مجرد قراءة سياسية للأحداث أو تجميع لمؤشرات متفرقة.

من أزمة سبتة إلى ملف التجسس

ويزداد المشهد تعقيداً عندما يُستحضر ملف برنامج التجسس «بيغاسوس»، الذي أثار منذ 2021 أزمة سياسية كبيرة في إسبانيا.

فقد أعلنت الحكومة الإسبانية في 2022 أن هواتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيرتي الدفاع والداخلية تعرضت للاختراق ببرنامج بيغاسوس، بينما اتجهت تحقيقات وتقارير صحافية واستخباراتية لاحقة إلى ترجيح مسؤولية المغرب. وفي المقابل، ظل المغرب ينفي استخدام البرنامج لاستهداف مسؤولين أو شخصيات أجنبية.

وفي يوليوز 2026، أعادت تحقيقات صحافية دولية فتح الملف، ونشرت معطيات جديدة قالت إنها تعزز فرضية استخدام أجهزة مغربية لبرنامج التجسس. لكن هذا الملف، على الرغم من خطورته، يجب أن يبقى منفصلاً تحليلياً عن قضية سبتة، ما لم تظهر أدلة مباشرة تربط بين القضيتين.

حين تتحول الخصومة إلى منظومة سردية

إلى جانب التوترات الرسمية، برز خلال السنوات الأخيرة خطاب إعلامي عابر للحدود يستثمر في الخلافات المغربية ـ الإسبانية، وتشارك فيه مواقع ومنابر ذات توجهات سياسية مختلفة، من بينها منصات جزائرية، إضافة إلى أصوات تنشط من بلدان أوروبية أخرى.

ولا تكمن المشكلة في انتقاد المغرب، فهذا جزء طبيعي من حرية الصحافة والتعبير، وإنما في تحويل الانتقاد إلى خطاب ثابت لا يتغير حتى عندما تتغير الوقائع.

كما أن بعض الأصوات الصادرة عن أفراد يعيشون خارج المغرب، ممن تربطهم خلافات سياسية أو شخصية أو قانونية مع الدولة المغربية، تنخرط أحياناً في هذا السجال. ومن حق هؤلاء، بطبيعة الحال، التعبير عن مواقفهم وانتقاد السياسات العمومية، لكن من واجب الإعلام أيضاً التمييز بين الشهادة الشخصية والتحليل السياسي، وبين المعلومة الموثقة والموقف المبني على الخصومة.

الحاجة إلى صحافة تفصل بين الوقائع والتأويل

إن أخطر ما يمكن أن يصيب النقاش المغربي ـ الإسباني هو اختزال العلاقات بين دولتين جارتين في ثنائية «المؤامرة» و«العدوان». فهذه اللغة لا تساعد على فهم الواقع، بل تدفع الجمهور إلى قراءة كل حدث من خلال قناعة سابقة.

أزمة سبتة تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فالوثائق المتاحة تثبت وجود تحذيرات استخباراتية إسبانية مسبقة من تحركات جماعية، وتثبت أيضاً أن السلطات المغربية لم تمنع العبور خلال فترة حاسمة من الأزمة. لكنها، وفق ما أعلنته الحكومة الإسبانية حتى الآن، لا تقدم دليلاً صلباً يثبت أن الرباط خططت للعملية أو نفذتها باعتبارها عملية دولة منظمة.

وهنا تكمن مسؤولية الصحافة المهنية: ليس الدفاع عن المغرب ولا مهاجمته، وإنما تفكيك الوقائع، ووضع كل معلومة في سياقها، والتمييز بين ما هو ثابت وما هو محل تحقيق، وبين ما تقوله أجهزة الدولة وما تقوله المعارضة، وبين الادعاء السياسي والدليل القابل للتحقق.

الجوار المغربي ـ الإسباني أكبر من الأزمات

تظل العلاقات المغربية ـ الإسبانية ذات أهمية استراتيجية تتجاوز بكثير الأزمات الظرفية. فهناك ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والتجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي، إضافة إلى العلاقات الإنسانية المتشابكة بين المجتمعين.

ولهذا فإن تحويل كل أزمة إلى مواجهة شاملة لا يخدم، في نهاية المطاف، مصالح أي من الطرفين.

المطلوب ليس إسكات النقد، ولا تبرئة أي جهة مسبقاً، وإنما إخضاع جميع الروايات للمعيار نفسه: الدليل أولاً، ثم التأويل.

وفي قضية سبتة تحديداً، يبقى السؤال مفتوحاً أمام التحقيقات الإسبانية والجهات القضائية المختصة: من نظم موجة العبور؟ من حركها؟ ومن سمح باستمرارها؟ وهي أسئلة لا يمكن حسمها بالشعارات، وإنما بما ستكشفه الوثائق والأدلة والتحقيقات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com