القرية المغربية بساحة سان لامبير.. حين تتحول الدبلوماسية إلى فعل ميداني وتنجح امرأة في تحقيق ما ظل مؤجلاً لعقد من الزمن
بقلم : بوشعيب البازي
لم يكن تنظيم القرية المغربية بساحة سان لامبير، وسط مدينة لييج البلجيكية، مجرد تظاهرة ثقافية احتفاءً بعيد الوحدة، بل كان مناسبة لإبراز نموذج مختلف في تدبير العمل الدبلوماسي المغربي بالخارج، قوامه المبادرة والقدرة على التواصل مع المؤسسات المحلية، وتحويل الأفكار التي ظلت لسنوات حبيسة التصورات إلى مشاريع قابلة للتحقق على أرض الواقع.
فعلى مدى ثلاثة أيام، تحولت إحدى أبرز الساحات العمومية بمدينة لييج إلى فضاء مغربي مفتوح، استقبل الزوار من مختلف الخلفيات الثقافية والاجتماعية، وقدم صورة عن غنى التراث المغربي وتنوع روافده الفنية والثقافية. ولم يكن اختيار ساحة سان لامبير تفصيلاً تنظيمياً عابراً، بالنظر إلى مكانتها في قلب المدينة وما تمثله من رمزية في الحياة العامة المحلية.

من فكرة مؤجلة إلى مشروع على أرض الواقع
ما يميز هذه المبادرة، وفق المعطيات المرتبطة بمسارها، أن تنظيم احتفال مغربي بهذا الحجم وفي هذا الموقع ظل حلماً يراود السفير المغربي محمد عامر طوال سنوات، دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ بالشكل الذي تحقق به هذه المرة.
وجاءت القنصلة العامة للمملكة المغربية بلييج، لتدفع بالمشروع إلى مرحلة الإنجاز، مستندة إلى مقاربة تقوم على التواصل المباشر مع المسؤولين البلجيكيين، وبناء علاقات مؤسساتية قائمة على الحوار والاحترام المتبادل، فضلاً عن الإصرار على إخراج المبادرة من إطار التصور إلى حيز التنفيذ.

والفارق هنا لا يتعلق فقط بتنظيم تظاهرة في فضاء عمومي مركزي، بل بالقدرة على تجاوز التعقيدات الإدارية والمؤسساتية التي ترافق عادة مثل هذه المبادرات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستعمال فضاءات حضرية ذات رمزية خاصة، تتطلب تنسيقاً مع السلطات والهيئات المحلية.
تجربة دبلوماسية صنعتها الكفاءة والتكوين
ويستحق المسار المهني للقنصلة العامة التوقف عنده لفهم خلفيات هذا النجاح التنظيمي. فقد تشكلت تجربتها داخل وزارة الشؤون الخارجية المغربية، حيث راكمت خبرة في العمل الإداري والدبلوماسي، وتدرجت في بيئة مهنية أتاح لها الاحتكاك بأسماء من جيل الدبلوماسيين المغاربة الذين راكموا تجربة طويلة في تدبير العلاقات الثنائية والدولية.
ويبدو أن هذا التكوين انعكس على طريقة اشتغالها في لييج، من خلال اعتماد أسلوب عملي في التواصل مع الشركاء البلجيكيين، بعيداً عن الاكتفاء بالمراسلات الرسمية أو البروتوكول التقليدي. فالدبلوماسية، في أحد أبعادها الأساسية، ليست حضوراً في المناسبات بقدر ما هي قدرة على بناء الثقة، وإقناع المؤسسات، وإيجاد مساحات مشتركة للتعاون.

كما أن تولي امرأة مسؤولية إنجاز مبادرة بهذا الحجم يطرح جانباً مهماً يتعلق بحضور الكفاءات النسائية المغربية في مواقع المسؤولية الدبلوماسية، وقدرتها على تدبير الملفات الخارجية بمهنية وفعالية. فالمعيار في نهاية المطاف ليس الجنس، بل الكفاءة والنتائج والقدرة على تحويل المسؤولية إلى عمل ملموس.
احترام الشركاء البلجيكيين.. ثمرة التواصل المؤسساتي
من أبرز عناصر التجربة الطريقة التي جرى بها التعامل مع المؤسسات والمسؤولين البلجيكيين. فالحصول على فضاء مركزي لتنظيم تظاهرة مغربية لا يتحقق بمجرد الرغبة في ذلك، وإنما يتطلب معرفة دقيقة بالمساطر المحلية، وقدرة على تقديم المشروع بصورة تقنع الشركاء بأهميته الثقافية والاجتماعية.

وقد أظهرت المبادرة أهمية التواصل الشخصي والمؤسساتي في بناء علاقات عمل متوازنة، وهو ما انعكس في مستوى التعاون الذي رافق تنظيم القرية المغربية. كما أن الاحترام الذي حظيت به القنصلة العامة لدى عدد من المسؤولين المحليين، بحسب الانطباعات التي رافقت هذه التظاهرة، يعكس أهمية الحضور الدبلوماسي القائم على الجدية والوضوح والوفاء بالالتزامات.
وهنا تتجلى إحدى النقاط التي تستحق أن تستحضرها الدبلوماسية المغربية في تجاربها الخارجية: فمكانة المؤسسة لا تُبنى فقط من خلال الصفة الرسمية لمن يمثلها، وإنما أيضاً من خلال أسلوب اشتغاله، ومدى قدرته على إقامة شراكات منتجة مع محيطه المحلي.
درس يتجاوز حدود مدينة لييج
إن تجربة القرية المغربية بساحة سان لامبير تفتح النقاش حول ضرورة تعميم المبادرات التي تربط العمل القنصلي بالحياة الثقافية والاجتماعية للمدن الأوروبية، بدل حصره في المناسبات البروتوكولية والأنشطة المغلقة.
فالجالية المغربية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تقدم لها الخدمات الإدارية، بل تحتاج أيضاً إلى تمثيل دبلوماسي قادر على التعريف بثقافتها، والدفاع عن مصالحها، وفتح قنوات التواصل بينها وبين المؤسسات والمجتمعات التي تعيش داخلها.
ومن هذا المنطلق، فإن ما تحقق في لييج يستحق أن يُدرس كتجربة في تدبير الدبلوماسية الثقافية، ليس بسبب حجم التظاهرة وحده، وإنما بالنظر إلى المسار الذي قاد إليها، من الفكرة إلى التنسيق، ومن التواصل إلى التنفيذ.
لقد أثبتت القرية المغربية أن نجاح المبادرات الدبلوماسية لا يقاس بعدد الكلمات التي تلقى في المناسبات الرسمية، بل بقدرتها على ترك أثر في الفضاء العام، وخلق جسور بين المغرب وشركائه، ومنح الجالية فرصة لتقديم ثقافتها في قلب المدن التي تنتمي إليها.
وفي ساحة سان لامبير، لم يكن الأمر مجرد احتفال بعيد الوحدة، بل تجربة أعادت طرح سؤال جوهري داخل العمل الدبلوماسي المغربي: هل نكتفي بإدارة الحضور الرسمي في الخارج، أم ننتقل إلى دبلوماسية المبادرة والإنجاز؟
لقد قدمت القنصلية العامة للمملكة المغربية بلييج، من خلال هذه المبادرة، تجربة تستحق التوثيق والتقييم والاستفادة منها في مواقع دبلوماسية أخرى.