مونديال 2030.. المغرب يراهن على استثمارات كبرى لتحويل الحدث الرياضي إلى رافعة اقتصادية
حنان الفاتحي
رهان يتجاوز الملاعب إلى تحديث البنية التحتية وتنشيط السياحة وخلق فرص الشغل، وسط تساؤلات بشأن كلفة المشاريع واستدامة عوائدها بعد انتهاء البطولة.
لا ينظر المغرب إلى استضافة نهائيات كأس العالم 2030 باعتبارها مجرد استحقاق رياضي يتطلب تجهيز الملاعب ومرافق الإيواء، بل يضعها ضمن تصور اقتصادي وتنموي أوسع، يراهن من خلاله على تسريع وتيرة تحديث البنية التحتية، وتوسيع الاستثمارات، وتعزيز جاذبية المملكة السياحية والاقتصادية. غير أن حجم الرهانات المعلنة يطرح، في المقابل، أسئلة تتعلق بجدوى الإنفاق، وقدرة المشاريع على إنتاج عوائد مستدامة بعد إسدال الستار على البطولة.
وخلال عرضه أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، الثلاثاء، قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالآثار الاقتصادية المنتظرة لتنظيم هذه التظاهرة، مسلطاً الضوء على انعكاساتها المحتملة على سوق الشغل والنمو ومداخيل عدد من القطاعات.
وبحسب المعطيات الواردة في العرض، يُرتقب أن تساهم الاستثمارات المرتبطة بالمونديال في إحداث أكثر من 840 ألف فرصة شغل، خصوصاً في قطاعات البناء والأشغال العمومية والخدمات والضيافة والمطاعم. كما تشير التوقعات إلى تسجيل متوسط نمو سنوي بنسبة 2.6 في المئة خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2030.
ولا تقتصر العائدات المنتظرة على فرص العمل والنشاط الاقتصادي المباشر، بل تشمل أيضاً الإيرادات الضريبية ومداخيل العملات الأجنبية الناتجة عن توافد الزوار، فضلاً عن الأصول والبنيات التحتية التي يفترض أن تواصل أداء وظائفها الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء المنافسات.
السياحة في صلب الرهان الاقتصادي
يشكل القطاع السياحي أحد أبرز محاور الاستراتيجية المغربية المرتبطة بمونديال 2030. فالمملكة تستهدف استقبال 26 مليون سائح بحلول ذلك العام، مع رفع الناتج الداخلي الإجمالي السياحي إلى 189 مليار درهم، وزيادة المداخيل السياحية إلى أكثر من 156 مليار درهم، إلى جانب إحداث ما يزيد على 150 ألف فرصة شغل إضافية.
وتعكس هذه الأهداف توجهاً نحو استثمار الزخم الإعلامي والجماهيري الذي توفره البطولة لتوسيع الحضور المغربي في الأسواق السياحية الدولية، واستقطاب فئات جديدة من الزوار والمستثمرين. لكن تحقيق هذه التوقعات سيظل مرتبطاً بقدرة القطاع على تطوير جودة الخدمات، وتحسين الطاقة الاستيعابية لمرافق الإيواء، وتوسيع الربط بين المدن والمناطق السياحية.
مشاريع البنية التحتية تتجاوز المجال الرياضي
تتوزع الاستثمارات المبرمجة على قطاعات متعددة، في مقدمتها النقل السككي والجوي والطرقي. ففي مجال السكك الحديدية، تشمل المشاريع تمديد خط القطار فائق السرعة على محور القنيطرة–مراكش، بطول يصل إلى 430 كيلومتراً، إلى جانب تطوير خدمات القطارات الجهوية السريعة في جهات الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، ومراكش–آسفي، وطنجة–تطوان–الحسيمة.
أما النقل الجوي، فيتجه نحو تعزيز مكانة مطار محمد الخامس بالدار البيضاء باعتباره قطباً دولياً، من خلال إنشاء محطة جوية جديدة ومدرج إضافي للطائرات، بالتوازي مع توسيع وتحديث مطارات طنجة وفاس وأكادير ومراكش.
وتشمل الأوراش كذلك إنجاز طريق سيار قاري يربط الرباط بالدار البيضاء، في سياق تحسين التنقل بين المركزين الإداري والاقتصادي للمملكة، وتخفيف الضغط على محاور النقل القائمة.
وفي هذا الإطار، يعتزم المكتب الوطني للسكك الحديدية تنفيذ برنامج استثماري بقيمة 104 مليارات درهم، فيما يرتبط تطوير المطارات ببرنامج تمويلي تشارك فيه الدولة والمكتب الوطني للمطارات.
ومن بين الترتيبات التي عرضها لقجع، تمكين المكتب الوطني للمطارات من الوعاء العقاري الذي يوجد عليه مطار محمد الخامس، وإدماجه ضمن أصوله بقيمة خمسة مليارات درهم، دون تقديم دعم مالي مباشر مقابل هذه العملية.
وتؤكد الحكومة أن الاستثمارات التي تنفذها المؤسسات العمومية وفق نماذجها الاقتصادية الخاصة لا ينبغي إدراجها تلقائياً ضمن مديونية الدولة، بالنظر إلى اختلاف مصادر التمويل وطبيعة الالتزامات المالية المرتبطة بكل مشروع.
بين فرص النمو ومخاطر الكلفة
في قراءته للانعكاسات الاقتصادية المرتقبة، يرى الخبير الاقتصادي رشيد الساري أن تنظيم كأس العالم 2030 يوفر للمغرب فرصة لتسريع تطوير بنيته التحتية، بالنظر إلى اتساع نطاق الأوراش التي تتجاوز المنشآت الرياضية لتشمل الطرق والنقل والمرافق السياحية والخدمات.
وأوضح الساري أن هذه المشاريع من شأنها تنشيط الشركات العاملة في قطاعات البناء والأشغال، وتوسيع فرص التشغيل، فضلاً عن توفير إمكانات إضافية لاستقطاب السياح والمستثمرين والتعريف بالمؤهلات الاقتصادية للمملكة.
واعتبر أن الحدث يشكل مناسبة لتقديم المغرب بصورة تتجاوز موقعه كوجهة سياحية تقليدية، من خلال إبراز إمكاناته الصناعية والفلاحية والاستثمارية، وما توفره السوق الوطنية من فرص في قطاعات مختلفة.
وتنسجم هذه القراءة مع توقعات مجلة «فوربس» بشأن إمكانية استفادة الاقتصاد المغربي من تنظيم البطولة، عبر تنشيط السياحة وجذب استثمارات أجنبية وخلق فرص عمل، بما قد يمنح النمو الاقتصادي امتداداً يتجاوز فترة المنافسات نفسها.
غير أن حجم الاستثمارات يفرض التمييز بين الكلفة الإجمالية للمشاريع والالتزامات التي تتحملها الميزانية العامة مباشرة. فقد شدد لقجع على أن تقدير الأعباء المالية يقتضي مراعاة النماذج الاقتصادية الخاصة بالمؤسسات العمومية، ومصادر التمويل التي تعتمدها، والاتفاقيات المرتبطة بتنفيذ المشاريع.
وأكد الوزير أن الاستثمارات المبرمجة تندرج ضمن التمويلات المرصودة في قوانين المالية، مشيراً إلى أن مؤشرات تحصيل المداخيل سجلت نتائج أفضل من التوقعات الأولية، وأن المعطيات المتعلقة بنهاية أكتوبر ستعرض على البرلمانيين.
ومع ذلك، فإن الفصل المحاسبي بين مديونية الدولة والتزامات المؤسسات العمومية لا يلغي ضرورة تقييم الأثر المالي الإجمالي لهذه الأوراش. فنجاح النموذج الاستثماري يظل رهيناً بقدرة المؤسسات المعنية على تعبئة التمويلات، وتدبير نفقات الإنجاز والصيانة، وتحقيق عوائد تسمح باستدامة المرافق دون تحميل المالية العمومية أعباء إضافية.
الصناعة السمعية البصرية وحقوق البث
ومن الجوانب التي تندرج ضمن التحضير للمونديال، تطوير الخبرات الوطنية في مجال الإنتاج التلفزيوني ونقل المباريات. وأشار لقجع إلى أن المغرب عمل، منذ كأس أمم أفريقيا الأخيرة، على تعزيز قدراته في هذا المجال، معتبراً أن الإنتاج التلفزيوني للمنافسات القارية شكل تجربة مهمة لإبراز الإمكانات التقنية والبشرية الوطنية.
ويتمثل الهدف في الانتقال بهذه الخبرات إلى مستوى يسمح بإنتاج مباريات كأس العالم، فضلاً عن تصدير الخدمات السمعية البصرية إلى تظاهرات رياضية دولية أخرى. وهو توجه من شأنه فتح مجال إضافي أمام الكفاءات والشركات المغربية، شريطة مواصلة الاستثمار في التجهيزات والتكوين والتكنولوجيا.
وفي ما يتعلق بحقوق النقل التلفزيوني، أوضح الوزير أن الشركات التي تقتني حقوق البث من الاتحاد الدولي لكرة القدم تعيد تسويقها إلى قنوات وأسواق مختلفة، مستحضراً نموذج «بي إن سبورت» في اقتناء الحقوق وإعادة بيعها، ومشيراً إلى أن مقرات الشركات المعنية توجد خارج المغرب.
كما تتضمن الترتيبات اللوجستية توفير وحدات إقامة للمنتخبات المشاركة في عدد من المدن، بما يسمح بتوزيع أماكن الإقامة وتسهيل تنقل الفرق إلى المدن التي ستحتضن مبارياتها، مستفيدة من تعدد وسائل النقل وتطور الشبكة الوطنية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد 2030
تضع هذه المشاريع المغرب أمام فرصة لتسريع تحديث اقتصاده وتحسين تنافسيته، لكنها تضعه أيضاً أمام اختبار يتعلق بكيفية تدبير مرحلة ما بعد المونديال. فالملاعب والمطارات والطرق وخطوط السكك الحديدية لا تكتسب قيمتها الاقتصادية بمجرد إنجازها، وإنما بمدى استخدامها واستغلال طاقتها الاستيعابية وقدرتها على تحسين حياة المواطنين وتحفيز الأنشطة الإنتاجية.
ومن ثم، فإن تقييم التجربة لن يتوقف عند نجاح التنظيم أو حجم الاستثمارات المنجزة، بل سيمتد إلى أثرها على التشغيل، وجودة الخدمات العمومية، وتوزيع ثمار التنمية بين الجهات، وقدرة المؤسسات العمومية على تدبير الأصول الجديدة بكفاءة.
وبين الطموح الرياضي والرهان الاقتصادي، يبدو أن التحدي الأكبر أمام المغرب ليس إنجاز البنيات التحتية في الآجال المحددة فحسب، وإنما ضمان تحولها إلى استثمارات منتجة على المدى الطويل. فالقيمة الحقيقية لمونديال 2030 ستقاس بما سيتركه من فرص اقتصادية ومرافق مستدامة، لا بما ستستهلكه استعداداته من اعتمادات مالية.