تجّار “النضال” وخدّام “الأجندات”: قراءة ساخرة في ظاهرة الازدواجية السياسية المُقنّعة بالأخلاق
نجاة الودغيري
في سياق تتزايد فيه التحولات الجيوسياسية وتتعقّد فيه مفاهيم السيادة والانتماء، تبرز فئة هجينة من “الفاعلين” الذين يصعب تصنيفهم ضمن خانة النضال أو المعارضة أو حتى التعبير الحر. إنهم، بتعبير أدق، مقاولو القضايا، أولئك الذين يتقنون فن تحويل المآسي إلى رأسمال رمزي، والمتاجرة بالشعارات كأنها أسهم في بورصة الانتهازية السياسية.
ما يثير الانتباه في هذا النموذج ليس فقط خطابه الشعبوي، بل الانفصام البنيوي الذي يحكم سلوكه: دفاع انتقائي عن قضايا عادلة، يقابله صمت أو تواطؤ مع مشاريع تمسّ صميم السيادة الوطنية. وهنا تتجلى المفارقة الصارخة: كيف يمكن لمن يدّعي مناصرة الشعوب أن يغضّ الطرف عن دعم أطراف خارجية لكيانات انفصالية مثل جبهة البوليساريو، والتي تستهدف وحدة المغرب الترابية؟
النضال كوظيفة… لا كقناعة
لقد تحوّل “النضال” لدى هذه الفئة إلى وظيفة موسمية، تُفعّل حسب الطلب، وتُكيّف وفق الأجندات. فحين يتعلق الأمر بقضايا دولية، يتم استدعاء خطاب عاطفي مكثف، مشحون بمفردات المظلومية، لكن سرعان ما يتبخر هذا الخطاب حين تتقاطع المصالح مع قوى إقليمية، على رأسها النظام الإيراني، بقيادة علي خامنئي، الذي لا يخفي دعمه لتحركات تزعزع استقرار المنطقة المغاربية.

هذا التناقض لا يمكن تفسيره بسوء تقدير سياسي فقط، بل يكشف عن بنية ذهنية مأزومة، حيث يتم التوفيق بين المتناقضات عبر خطاب مزدوج: سيادي في الظاهر، وتبعي في العمق.
شيطنة الدبلوماسية: آلية دفاع نفسي؟
من اللافت أيضًا أن هذه الأصوات تسعى بشكل متكرر إلى تبخيس الجهود الدبلوماسية الرسمية، ووصمها بعبارات تبسيطية أو ساخرة. غير أن هذا السلوك يمكن قراءته، من منظور تحليلي، كنوع من آلية الدفاع النفسي أمام واقع جديد: دبلوماسية مغربية أصبحت أكثر حضورًا وتأثيرًا، قائمة على مبدأ الندّية، لا التبعية.
إن توصيف العمل الدبلوماسي بـ”النكافات” لا يعكس قوة الحجة بقدر ما يعكس عجزًا عن مجاراة التحولات، وحنينًا مرضيًا إلى زمن الشعارات الفارغة.
القضية الفلسطينية: من رمز إنساني إلى أداة توظيف
لا جدال في أن القضية الفلسطينية تظل قضية مركزية وعادلة، غير أن تحويلها إلى أداة للاسترزاق السياسي يفرغها من بعدها الأخلاقي. حين تصبح هذه القضية مجرد “لافتة” تُرفع في وجه الخصوم الداخليين، بينما يتم تجاهل تناقضات الحلفاء الخارجيين، فإننا نكون أمام نضال لقيط، فاقد للشرعية الأخلاقية.
السيادة ليست شعارًا
إن الدولة الحديثة، كما يتجلى في النموذج المغربي، تقوم على مؤسسات، لا على صراخ الشوارع. والسيادة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُبنى عبر التراكم، والاتساق، والوضوح في المواقف.
أما أولئك الذين اختاروا الارتماء في أحضان الأجندات الخارجية، تحت غطاء “النضال”، فإنهم لا يواجهون فقط رفضًا مجتمعيًا متزايدًا، بل يضعون أنفسهم أيضًا في الهامش التاريخي، حيث تُرمى الشعارات بعد انتهاء صلاحيتها.
في النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس: من يناضل؟
بل: لصالح من يُناضل؟