الأعوان المحليون “الأشباح” في القنصليات المغربية: عندما تتحول الثغرات الاجتماعية إلى تحدٍّ صامت للدبلوماسية المغربية
بوشعيب البازي
في عالم العلاقات الدولية، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية، أو بقدرتها الاقتصادية، أو حتى بامتداد نفوذها السياسي، بل أصبحت صورة مؤسساتها في الخارج جزءاً لا يتجزأ من أمنها الاستراتيجي وقوتها الناعمة. وفي هذا السياق، تمثل البعثات الدبلوماسية والقنصلية الواجهة الأولى للدولة أمام مواطنيها وشركائها الأجانب، حيث يصبح كل موظف، مهما كان موقعه الإداري، جزءاً من المنظومة السيادية التي تعكس هيبة الوطن ومصداقية مؤسساته.
غير أن بعض الاختلالات الصامتة، التي لا تظهر عادة في التقارير الرسمية ولا في البلاغات الإدارية، بدأت تطرح أسئلة عميقة حول حكامة الموارد البشرية داخل بعض القنصليات المغربية بالخارج، خصوصاً ما يتعلق بفئة محدودة من الأعوان المحليين الذين يوجدون منذ سنوات في وضعية مرضية طويلة الأمد، بينما تكشف المعطيات الميدانية، في عدد من الحالات، أنهم يمارسون أنشطة مهنية أو تجارية أو اجتماعية أخرى بعيداً عن الصورة الصحية التي يقدمونها للإدارة.
ومن الضروري التأكيد منذ البداية أن الحديث هنا لا يهم عموم الأعوان المحليين، الذين يشكل أغلبهم ركيزة أساسية في حسن سير المصالح القنصلية، بل يتعلق بفئة معزولة استطاعت، عبر استغلال بعض الثغرات القانونية والاجتماعية في دول الإقامة، تحويل وضعيات مرضية مؤقتة إلى نمط عيش دائم، تموله بشكل مباشر أو غير مباشر الميزانية المغربية.
الإشكال هنا لا يقف عند حدود التدبير الإداري أو العبء المالي، بل يتجاوز ذلك إلى بعد جيو-إداري وسيادي أكثر عمقاً. فحين يبقى اسم موظف ضمن الهيكلة الرسمية لقنصلية مغربية، ويتقاضى حقوقاً أو يحتفظ بامتيازات مرتبطة بصفته الإدارية، بينما هو غائب فعلياً عن مقر العمل لسنوات، فإن الدولة لا تتحمل فقط تكلفة مالية، بل تتحمل أيضاً كلفة رمزية ومؤسساتية تمس صورة الانضباط داخل الجهاز الدبلوماسي.
الأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الحالات أصبحت معروفة داخل الجاليات المغربية نفسها، بل أحياناً داخل محيط المؤسسات الأجنبية الشريكة، حيث يُنظر إلى هؤلاء باعتبارهم “موظفين مغاربة رسميين”، رغم أنهم لم يباشروا أي مهام فعلية منذ سنوات. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تتحول ثغرة اجتماعية إلى عنصر يسيء إلى سمعة الإدارة المغربية في الخارج.
في الأدبيات الحديثة لتدبير المؤسسات السيادية، تعتبر “الموارد البشرية غير المنتجة” أحد أخطر أشكال الاستنزاف غير المرئي، لأنها تخلق ما يسمى بـ “الفراغ الوظيفي المموَّه”، أي وجود منصب ممول لكنه غير مفعل. وفي المؤسسات الدبلوماسية، يتضاعف هذا الأثر لأن كل منصب غير مستغل يعني ضغطاً إضافياً على الموظفين الحاضرين، وتأخيراً في الخدمات، واحتكاكاً يومياً مع غضب المرتفقين.
وزارة الشؤون الخارجية المغربية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بفتح هذا الملف بحكمة وجرأة في الآن نفسه، ليس بمنطق العقاب أو التشهير، وإنما بمنطق حماية المؤسسة. فالدبلوماسية الحديثة لا يمكن أن تستمر بمنطق الملفات المجمدة، ولا بمنطق التسويات الإدارية المؤجلة، خاصة حين يتعلق الأمر بأشخاص نجحوا في تحويل “المرض الإداري” إلى وضعية شبه دائمة، بينما يمارسون حياة مهنية موازية لا علاقة لها بالتقارير الطبية الموضوعة في الملفات.
الحل لا يبدو مستحيلاً. فعدد من الدول الأوروبية التي تستضيف بعثات أجنبية طورت آليات مشتركة للتدقيق في حالات العجز طويل الأمد، عبر خبرات طبية مستقلة، وربط الاستمرار في الوضعية المرضية بمراجعات دورية إلزامية، إضافة إلى تقييم قانوني يحدد مدى توافق النشاط الخارجي للمعني بالأمر مع وضعيته الصحية المصرح بها.
أما المغرب، الذي جعل من تحديث الإدارة العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة خياراً استراتيجياً، فهو اليوم أمام فرصة حقيقية لتوسيع هذا الإصلاح ليشمل أيضاً محيطه القنصلي الخارجي. لأن حماية صورة المملكة لا تبدأ فقط من الخطب الكبرى أو النجاحات الدبلوماسية الرفيعة، بل تبدأ أيضاً من التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو إدارية… لكنها في العمق تمس هيبة الدولة.
فالدبلوماسية، في نهاية المطاف، ليست فقط ما يقوله السفراء… بل أيضاً ما يفعله، أو لا يفعله، من يُحسبون على الدولة في صمت.