الحسم الاقتصادي.. ترامب يبدّل قواعد المواجهة مع إيران ويترك هرمز في قلب المعادلة

حنان الفاتحي

من استهداف القدرات العسكرية إلى خنق مصادر التمويل: واشنطن تراهن على العقوبات لإنهاء المواجهة، لكن مضيق هرمز يظل العقدة الأصعب

بروكسل – بعد أشهر من التصعيد العسكري، يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتجه إلى إعادة تعريف أدوات المواجهة مع إيران. فبدلاً من فتح جبهة عسكرية جديدة، تضع واشنطن ثقلها على سلاح أكثر هدوءاً في مظهره، لكنه أكثر اتساعاً في آثاره: الاقتصاد.

إعلان ترامب عن «حرب اقتصادية» وعزلة واسعة النطاق على إيران يعكس رغبة واضحة في تضييق الخناق على شبكة التمويل والتجارة التي مكنت طهران، طوال سنوات، من التعامل مع العقوبات الأميركية. النفط، التحويلات المالية، شركات الواجهة، شبكات الوساطة، المقايضة، وتغيير هويات السفن ومساراتها، كلها أصبحت أهدافاً في معركة لا تستخدم فيها الصواريخ، وإنما العقوبات والمال والموانئ والتأمين.

لكن الانتقال من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية لا يعني بالضرورة نهاية المواجهة. فقد يكون، في الواقع، انتقالاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً وأطول نفساً.

من ضرب إيران إلى إنهاكها

الحساب الأميركي يبدو واضحاً في ظاهره: إذا كانت الضربات العسكرية قادرة على إلحاق أضرار بالبنية العسكرية الإيرانية، فإن العقوبات تستطيع استهداف قدرة الدولة على تمويل نفسها وإعادة بناء ما تخسره.

غير أن التجربة الإيرانية تجعل هذه المعادلة أقل بساطة.

فطهران لم تدخل عالم العقوبات أمس. وعلى مدى عقود، طورت شبكات واسعة للالتفاف عليها، مستفيدة من شركات وسيطة، ومؤسسات مالية خارج النظام الغربي، وعمليات مقايضة، وأساطيل بحرية يصعب أحياناً تحديد ملكيتها الحقيقية، فضلاً عن شبكة من الوسطاء الممتدة عبر عدة دول.

وفي سوق النفط تحديداً، استطاعت إيران المحافظة على جزء من صادراتها رغم العقوبات، ولا سيما باتجاه الأسواق الآسيوية. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى واشنطن ليس ما إذا كانت قادرة على فرض عقوبات جديدة، وإنما ما إذا كانت قادرة على إغلاق المنافذ التي سمحت لطهران بتجاوز العقوبات السابقة.

وهذا فرق جوهري.

معركة العقوبات لن تبقى داخل الحدود الإيرانية

إذا قررت واشنطن الذهاب إلى أقصى درجات الضغط، فإن المعركة ستنتقل سريعاً إلى الخارج.

فكل ناقلة نفط، وشركة تأمين، ومصرف، وميناء، ووسيط تجاري يمكن أن يتحول إلى حلقة في سلسلة العقوبات. ومع اتساع هذه الدائرة، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام شبكة من المصالح الدولية لا يمكن اختزالها في إيران وحدها.

وهنا تظهر روسيا والصين باعتبارهما الاختبار الأكثر حساسية.

فإذا واصلت شركات روسية التعامل مع إيران، أو قدمت موسكو دعماً لوجستياً أو تجارياً لطهران، فهل ستذهب واشنطن إلى حد فرض عقوبات جديدة على كيانات روسية؟ وإذا استمرت الصين في شراء النفط الإيراني، فهل ستخاطر الإدارة الأميركية بتوسيع المواجهة الاقتصادية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم؟

السؤال هنا لم يعد: كيف نعاقب إيران؟

بل أصبح: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة إجبار الآخرين على المشاركة في العقوبة؟

وهذا هو الفارق بين حصار إيران وبين بناء عزلة دولية كاملة حولها.

الاقتصاد يستطيع إيلام إيران، لكنه لا يضمن استسلامها

لا شك أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يكون شديداً. انخفاض صادرات النفط، تراجع قيمة العملة، ارتفاع التضخم، تقلص الاحتياطات وتزايد البطالة كلها عوامل يمكن أن تضع الدولة الإيرانية أمام ضغوط اجتماعية وسياسية كبيرة.

لكن التاريخ لا يقدم قاعدة تقول إن الانهيار الاقتصادي يؤدي تلقائياً إلى التنازل السياسي.

إيران، على العكس، راكمت خبرة طويلة في إدارة اقتصاد تحت العقوبات. كما أن القيادة الإيرانية تستطيع تقديم الحصار باعتباره دليلاً على أن واشنطن لا تبحث عن تسوية وإنما عن إخضاع البلاد.

وهنا يكمن أحد أخطر تناقضات الاستراتيجية الأميركية: كلما ارتفع الضغط من الخارج، قد تتراجع مساحة الأصوات التي تطالب بالتسوية داخل إيران، لصالح الأصوات التي ترى في التنازل ضعفاً استراتيجياً.

لذلك فإن إضعاف الاقتصاد الإيراني لا يعني بالضرورة إضعاف قدرة النظام على الصمود السياسي.

هرمز.. الورقة التي لم تحسمها الحرب

إذا كان الاقتصاد هو الساحة الجديدة للمواجهة، فإن مضيق هرمز يبقى ورقة الضغط الأكثر حساسية.

فالمضيق ليس مجرد ممر بحري ضيق؛ إنه أحد أهم الشرايين التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية. ولهذا فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة لا يضر إيران والولايات المتحدة وحدهما، وإنما يمتد أثره إلى الأسواق العالمية ودول الخليج وشركات النقل والتأمين والطاقة.

وهنا تظهر مشكلة الاستراتيجية الأميركية.

قد تتمكن واشنطن من ضرب القدرات العسكرية الإيرانية أو تقليص الموارد التي تمولها، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويل الجغرافيا إلى عامل ثانوي. فإيران موجودة على الجانب الشمالي من المضيق، وتملك موقعاً جغرافياً يمنحها قدرة على التأثير في حركة الملاحة حتى من دون إغلاق المضيق بصورة كاملة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فبين إغلاق هرمز والقدرة على التأثير في حركة السفن عبره مسافة استراتيجية كبيرة.

قد لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق بشكل كامل حتى تستخدمه كورقة تفاوض. يكفي أن تصبح حركة السفن أكثر كلفة، أو أكثر تعقيداً، أو مرتبطة بإجراءات ورسوم وتفتيش وضمانات سياسية، حتى يتحول الممر الدولي إلى ملف تفاوضي بامتياز.

من حرية الملاحة إلى تفاوض على المرور؟

إذا استمرت الأزمة، فقد تظهر تدريجياً ترتيبات مؤقتة بين إيران وبعض دول المنطقة حول حركة الملاحة.

قد تبدأ المسألة برسوم أو آليات إبلاغ أو ترتيبات أمنية، ثم تتحول إلى تفاهمات ثنائية. ومع مرور الوقت، قد تجد دول الخليج نفسها أمام واقع جديد: بدلاً من التعامل مع هرمز باعتباره ممراً دولياً تحكمه قواعد الملاحة الدولية، تصبح مضطرة إلى التفاوض مع طهران حول شروط العبور.

وهنا تكمن المفارقة.

قد تنجح واشنطن في منع إيران من تحقيق مكاسب اقتصادية كاملة من سيطرتها الجغرافية على المنطقة، لكنها في الوقت نفسه قد لا تتمكن من إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة.

وفي السياسة الدولية، لا يكون تثبيت واقع جديد دائماً أقل أهمية من تحقيق الانتصار العسكري.

هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب من دون إنهاء نفوذ إيران؟

الرهان الأميركي على الاقتصاد مفهوم من الناحية العسكرية. فالحرب المفتوحة تفرض كلفة بشرية ومالية وسياسية كبيرة، بينما يمكن للعقوبات أن تستمر لفترة أطول، وأن تضغط على الخصم من دون الحاجة إلى إرسال قوات إضافية إلى ساحة القتال.

لكن المشكلة أن الحرب الاقتصادية لا تملك بالضرورة لحظة إعلان نصر واضحة.

في الحرب العسكرية، هناك جبهة، وضربات، ووقف لإطلاق النار، وربما اتفاق سياسي. أما العقوبات، فيمكن أن تستمر سنوات، وتتغير شبكات الالتفاف عليها، وتظهر أسواق بديلة، وتتحول الشركات والناقلات إلى أسماء جديدة، فيما يبقى الصراع السياسي قائماً.

وهكذا يمكن أن تجد واشنطن نفسها أمام مواجهة بلا نهاية محددة.

السيناريو الأخطر: إيران لا تغلق هرمز ولا تتخلى عنه

ربما لا يكون السيناريو الأكثر خطورة هو أن تغلق إيران مضيق هرمز بالكامل، لأن مثل هذه الخطوة ستمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مبرراً واسعاً للرد.

الأكثر تعقيداً هو سيناريو مختلف: أن تترك إيران المضيق مفتوحاً، لكنها تحتفظ بقدرة كافية على التأثير في حركة الملاحة كلما احتاجت إلى الضغط أو التفاوض.

في هذه الحالة، لن تكون طهران قد أغلقت هرمز، لكنها لن تكون قد تخلت عنه كورقة استراتيجية أيضاً.

وقد تضطر دول المنطقة إلى التعامل مع هذا الواقع من خلال ترتيبات منفردة، بحثاً عن ضمانات لحماية تجارتها وإمداداتها. وهو ما قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تفكيك الموقف الجماعي تجاه إيران لصالح صفقات ثنائية.

وهنا تحديداً يصبح «الحسم الاقتصادي» أقل حسماً مما يوحي به الاسم.

معركة طويلة بلا منتصر واضح

ترامب يراهن على أن الاقتصاد يستطيع تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية: دفع إيران إلى التراجع من دون التورط في حرب جديدة.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد الإيراني، ولا بانخفاض صادرات النفط أو تراجع قيمة العملة.

المعيار الحقيقي سيكون سياسياً واستراتيجياً: هل تستطيع واشنطن إضعاف إيران من دون أن تمنحها فرصة لتحويل مضيق هرمز إلى ورقة نفوذ دائمة؟

فإذا نجحت الولايات المتحدة في خنق مصادر التمويل الإيرانية، لكنها فشلت في ضمان حرية الملاحة، فإنها قد تجد نفسها أمام معادلة جديدة: إيران أضعف اقتصادياً، لكنها أكثر قدرة على استخدام موقعها الجغرافي في التفاوض.

وهذا ليس انتصاراً كاملاً لأي طرف.

لذلك، فإن السؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كان ترامب قادراً على خنق الاقتصاد الإيراني، وإنما ما إذا كان قادراً على تحقيق ذلك من دون أن يتحول مضيق هرمز إلى ثمن غير معلن لإنهاء الحرب.

ففي نهاية المطاف، قد يكون من السهل نسبياً خنق اقتصاد دولة. أما إعادة فتح ممر استراتيجي أمام العالم، بعد أن يتحول إلى ورقة سياسية، فهي معركة أخرى تماماً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com