بروكسل – لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي تحكمه اعتبارات الأمن والملاحة الدولية، بل بات، في ظل التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، جزءاً من معادلة تفاوضية أكثر تعقيداً. فحركة السفن عبر هذا الشريان البحري الحيوي أصبحت مرتبطة، بصورة متزايدة، بمستوى التوتر السياسي والعسكري بين طهران وواشنطن، بما يجعل أي اضطراب في الملاحة مؤشراً على مسار الأزمة بقدر ما هو نتيجة لها.
وتكشف بيانات حركة السفن في مطلع الأسبوع عن حجم التحول الذي طرأ على حركة الملاحة. فقد أظهرت بيانات شركة «كبلر» عبور خمس سفن شحن للسلع الأساسية عبر المضيق يوم السبت، في حين لم يُسجل عبور أي سفينة يوم الأحد، مقابل 31 سفينة في مطلع الأسبوع السابق. ورغم أن بعض السفن قد لا تكون مرصودة بسبب تعطيل أنظمة التتبع، فإن الفارق يظل كبيراً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، حين كان المضيق يشهد عبور أكثر من 130 سفينة يومياً.
من المخاطر الأمنية إلى الحسابات السياسية
يصعب تفسير هذا الانخفاض في حركة الملاحة باعتبارات أمنية فقط. فالهجمات التي استهدفت ناقلات نفط، من بينها ثلاث سفن تديرها شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» أثناء عبورها المضيق، دفعت شركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمرور في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
لكن التطور الأكثر أهمية يتمثل في أن طهران نفسها باتت تربط استئناف حركة الشحن بشروط سياسية. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن على واشنطن تلبية الشروط الإيرانية المتعلقة بالمضيق قبل عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.
وبغض النظر عن مآلات التفاوض، تحمل هذه الرسالة دلالة سياسية واضحة: أمن الملاحة لم يعد ملفاً منفصلاً عن الأزمة بين الطرفين، وإنما أصبح إحدى أوراق التفاوض. وبذلك ينتقل هرمز من كونه ممراً دولياً للطاقة والتجارة إلى مساحة يمكن أن تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية.
إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق
تدرك طهران جيداً أن القيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تكمن فقط في قدرتها على إغلاقه، وإنما في قدرتها على التأثير في درجة الأمان التي يوفرها لشركات النقل. فالإغلاق الكامل قد يؤدي إلى مواجهة دولية واسعة، بينما يكفي رفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل شركات الشحن تتردد في استخدام الممر أو ترفع تكلفة التأمين والنقل.
وهنا تكمن إحدى أكثر أدوات الضغط فعالية: عدم اليقين.
فالسفينة التي لا تعرف ما إذا كانت ستعبر بأمان، وشركة التأمين التي تعيد احتساب مخاطرها، وشركة النقل التي تبحث عن مسار بديل، كلها تتحول، بصورة غير مباشرة، إلى عناصر في معادلة الضغط السياسي.
وتعكس بيانات «كبلر» هذا الواقع الجديد. فقد ظهرت أنماط مختلفة في حركة السفن، بينها ناقلة غاز ضخمة ترفع العلم الهندي استخدمت المسار الإيراني، وناقلة نفط خام ضخمة فارغة عبرت مع إغلاق نظام التعريف الآلي، فيما خرجت ناقلة صغيرة محملة بزيت الوقود الإيراني.
هذه المعطيات لا تعني توقف الملاحة بصورة كاملة، لكنها تشير إلى أنها أصبحت أكثر انتقائية وحذراً، وربما مرتبطة بدرجة المخاطر التي تستطيع كل شركة أو دولة تحملها.
واشنطن أمام معادلة مكلفة
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة ممارسة الضغط على طهران، بما في ذلك التلويح باستمرار الحصار البحري إلى أجل غير محدد. وهنا تبرز معادلة شديدة الحساسية: واشنطن تستخدم أدوات الضغط البحري لدفع إيران نحو تقديم تنازلات، بينما تستطيع طهران استخدام اضطراب حركة الملاحة للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها من أجل العودة إلى التفاوض بشروط مختلفة.
المشكلة أن هذه المواجهة لا تبقى محصورة بين الطرفين.
فأي اضطراب مستمر في هرمز ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة، وتكاليف التأمين والشحن، وسلاسل الإمداد، كما يضع الدول المستوردة للطاقة أمام مخاطر إضافية. ومن ثم، فإن الضغط على إيران قد يتحول، في حال طال أمده، إلى ضغط على الاقتصاد العالمي نفسه.
حين تصبح السفن مؤشرات سياسية
تكمن خطورة الوضع الراهن في أن حركة السفن لم تعد مجرد مؤشر تجاري. عدد السفن التي تعبر المضيق، نوع حمولاتها، أعلامها، وحتى تشغيل أو إيقاف أجهزة التتبع، كلها أصبحت تحمل دلالات تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة.
فالممر الذي كان يقاس عادة بحجم التجارة والطاقة العابرة منه، بات يقاس أيضاً بدرجة التوتر السياسي. وكل انخفاض في حركة السفن يمكن أن يُقرأ باعتباره مؤشراً على ارتفاع المخاطر، وكل عودة تدريجية للملاحة قد تحمل رسالة عن احتمال انحسار التصعيد.
ولا يقتصر هذا الاضطراب على هرمز وحده. ففي باب المندب، أظهرت بيانات «كبلر» تراجع حركة السفن إلى 49 سفينة في مطلع الأسبوع، مقابل 55 في الأسبوع السابق، في وقت لم تُرصد فيه شحنات نفط سعودية. وهو ما يعكس اتساع نطاق المخاطر التي تواجه الممرات البحرية في المنطقة.
اقتصاد عالمي يدفع ثمن المساومة
المفارقة أن الأطراف المتصارعة قد تكون قادرة على تحمل جزء من كلفة المواجهة، بينما تتحمل الشركات والدول المستوردة والمستهلكون جزءاً متزايداً من فاتورتها. فارتفاع أسعار التأمين، وزيادة كلفة النقل، واحتمالات إعادة توجيه السفن، كلها تكاليف لا تظهر بالضرورة في البيانات العسكرية، لكنها سرعان ما تصل إلى الأسواق.
ومن هنا، فإن معركة هرمز لا تدور فقط حول السيطرة على ممر بحري، وإنما حول القدرة على استخدام الاقتصاد العالمي كوسيلة ضغط غير مباشرة.
إيران تراهن على أن اضطراب الملاحة يمكن أن يرفع كلفة استمرار الضغط عليها. والولايات المتحدة تراهن، في المقابل، على أن استمرار الضغوط سيجعل طهران أكثر استعداداً لتقديم تنازلات. وبين الرهانين يبقى الاقتصاد العالمي معرضاً لتداعيات أزمة لا يملك أدوات التحكم في مسارها.
هل يستطيع الطرفان الخروج من الحلقة؟
الخطر الأكبر يتمثل في تحول هذه المعادلة إلى حلقة مفرغة: الضغط الأمريكي يدفع إيران إلى التشدد، والتشدد الإيراني يدفع واشنطن إلى توسيع أدوات الضغط، فيما يؤدي استمرار التوتر إلى تقليص حركة الملاحة ورفع كلفة الطاقة والنقل.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح هامش الخطأ ضيقاً للغاية. حادث أمني واحد، أو هجوم على ناقلة، أو سوء تقدير عسكري، يمكن أن ينقل الأزمة من مرحلة الضغط المتبادل إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت إيران قادرة على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، ولا ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إبقاء الضغط البحري. السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي حد يستطيع الطرفان استخدام المضيق كورقة تفاوض من دون أن تتحول الورقة نفسها إلى أزمة دولية تتجاوز قدرة الطرفين على السيطرة عليها؟
في نهاية المطاف، قد يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد شريان للطاقة العالمية. قد يتحول إلى مقياس يومي لدرجة التوتر بين طهران وواشنطن، وإلى مؤشر على اتجاه المفاوضات بينهما. وكل سفينة تعبره بأمان ستكون إشارة إلى مساحة ما زالت مفتوحة للدبلوماسية، بينما قد يعني تراجع حركة الملاحة أن الحسابات السياسية والعسكرية بدأت تتغلب على منطق التجارة الدولية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة: كلما أراد طرفا الصراع استخدام هرمز للضغط على الآخر، ازدادت احتمالات أن يصبح العالم بأسره طرفاً في كلفة هذه المساومة.