حرائق شمال شرق الجزائر تحصد أرواح 12 شخصًا وتعيد إلى الواجهة أزمة حرائق الغابات

حنان الفاتحي

تعيش عدة مناطق في شمال شرق الجزائر على وقع واحدة من أكثر موجات الحرائق دموية خلال هذا الصيف، بعدما أودت النيران بحياة 12 شخصًا وأصابت العشرات، في حصيلة ثقيلة أعادت إلى الواجهة هشاشة عدد من المناطق أمام الكوارث الطبيعية، وصعوبة السيطرة على الحرائق حين تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع الرياح القوية وجفاف الغطاء النباتي.

وأمام حجم الخسائر البشرية، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الخميس، حدادًا وطنيًا لمدة ثلاثة أيام، كما قرر إلغاء عدد من الفعاليات الثقافية والمنافسات الرياضية، تعبيرًا عن التضامن مع عائلات الضحايا وسكان المناطق المتضررة.

وقال تبون، في بيان رسمي، إن البلاد تواجه «مصابًا جللًا»، معربًا عن حزنه إزاء فقدان مواطنين جراء الحرائق التي اجتاحت عددًا من مناطق الشرق الجزائري.

حصيلة ثقيلة في جيجل وبجاية وتيزي وزو

وبحسب الحصيلة التي أعلنها وزير الداخلية سعيد سعيود، فقد أسفرت الحرائق عن وفاة 12 شخصًا، فيما نقل 54 مصابًا إلى المستشفيات لتلقي العلاج جراء إصابات وحروق متفاوتة الخطورة، من بينهم ستة أشخاص وصفت حالتهم بالخطيرة.

وسجلت ولاية جيجل العدد الأكبر من الوفيات، بخمسة أشخاص، تليها بجاية بأربعة، ثم تيزي وزو بثلاثة ضحايا.

وخلال ساعات الليل، ساهمت الرياح القوية وارتفاع درجات الحرارة في اتساع رقعة النيران، ما دفع سكان عدد من المناطق إلى مغادرة منازلهم بشكل عاجل بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا.

وفي جيجل، اضطرت عائلات إلى الاحتماء في مناطق ساحلية أو الانتقال إلى أحياء حضرية بعيدة عن مسار النيران. كما أظهرت تسجيلات تداولها سكان محليون على منصات التواصل الاجتماعي مشاهد لطرق غطاها الدخان وسماء أضاءتها ألسنة اللهب، فيما كانت عائلات تحاول الابتعاد عن المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.

عشرات البؤر لا تزال نشطة

ورغم التعبئة التي أعلنت عنها السلطات، لم تكن الأزمة قد انتهت، الخميس، إذ أفادت مصالح الحماية المدنية بتسجيل 193 بؤرة حريق خلال 24 ساعة، ظل 46 منها نشطًا.

وأعلنت السلطات الجزائرية عن تسخير إمكانات جوية وبرية للمساهمة في عمليات الإخماد، من بينها طائرات مخصصة لمكافحة الحرائق، بالتزامن مع استمرار تدخل فرق الحماية المدنية والأجهزة المختصة على الأرض.

كما انتقل وزير الداخلية سعيد سعيود ووزير الصحة محمد صديق آيت مسعودن إلى المناطق المتضررة لمتابعة عمليات التدخل والوقوف على الوضع الميداني، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.

ولم تقتصر تداعيات الحرائق على الخسائر البشرية، إذ تسببت النيران والدخان في اضطراب حركة المرور وإغلاق ثلاثة محاور طرقية رئيسية تربط بين عدد من مناطق شرق البلاد، بحسب مصالح الدرك الجزائري.

حرائق متكررة تتجاوز الطابع الموسمي

وتتجاوز هذه الكارثة حدود حادث استثنائي، إذ تعيد الحرائق المتكررة في شمال الجزائر، خصوصًا خلال فصل الصيف، طرح أسئلة تتعلق بقدرة منظومة الوقاية والاستجابة على مواجهة ظاهرة أصبحت أكثر حدة وتكرارًا.

وتتداخل في انتشار الحرائق عوامل طبيعية ومناخية، من بينها الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، والرياح القوية، إضافة إلى سرعة انتقال النيران في المناطق التي تتوفر فيها كميات كبيرة من الغطاء النباتي الجاف. غير أن حجم الخسائر في كل موسم يعيد أيضًا النقاش حول مستوى الاستعداد المسبق، ووسائل الرصد المبكر، وسرعة التدخل وتوفير المعدات والموارد اللازمة لحماية السكان والمجال الغابوي.

وخلال شهر يوليوز وحده، تم تسجيل قرابة ألفي حريق، أسفرت عن وفاة ستة أشخاص على الأقل، فيما شهد شهرا ماي ويونيو تسجيل نحو ألفي بؤرة حريق إضافية، وفق المعطيات الواردة في التقارير الرسمية.

وعلى مدى السنوات الماضية، خلفت حرائق الغابات في الجزائر خسائر بشرية ومادية كبيرة، بعدما أتت النيران على مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية، وألحقت أضرارًا بممتلكات السكان ومصادر رزق العديد من الأسر.

مأساة إنسانية تتكرر كل صيف

خلف الأرقام الرسمية، تتجسد مأساة إنسانية تتجاوز الإحصاءات. فكل وفاة تعني أسرة فقدت أحد أفرادها، وكل إصابة تترك آثارًا قد تمتد إلى ما بعد انتهاء عمليات الإخماد، فيما تواجه المجتمعات المحلية تداعيات نفسية ومادية ثقيلة نتيجة اضطرارها إلى مغادرة المنازل أو فقدان الممتلكات ومصادر العيش.

وبينما تواصل فرق الحماية المدنية والأجهزة المختصة عملياتها في المناطق التي لا تزال النيران نشطة فيها، تجد الجزائر نفسها مجددًا أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على الحد من آثار حرائق أصبحت تشكل، عامًا بعد آخر، أحد أبرز التحديات الموسمية التي تواجه مناطقها الشمالية.

وفي انتظار انحسار النيران وعودة السكان إلى مناطقهم، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من منطق الاستجابة بعد اندلاع الكارثة إلى استراتيجية أكثر شمولًا تقوم على الوقاية، والرصد المبكر، والتدخل السريع، وتعزيز حماية الغابات والمناطق السكنية الأكثر عرضة للخطر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com