لم تعد أزمة الهجرة في سبتة مجرد تدفق استثنائي للمهاجرين، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية وأمنية وسياسية تهدد بتغيير طبيعة النقاش العام داخل المدينة. فبعد أسابيع من وصول عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم عبر البحر قادمين من المغرب، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة على انتقال التوتر من المجال السياسي إلى الشارع، مع تسجيل احتجاجات ومواجهات ومحاولات للاعتداء على مهاجرين وتخريب بعض أماكن إقامتهم المؤقتة.
وتشير المعطيات التي أعلنتها السلطات الإسبانية إلى أن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال موجة أواخر يوليوز، فيما عاد قرابة 70 ألفاً إلى المغرب، بينما لا يزال آلاف الأشخاص داخل المدينة، بينهم قاصرون غير مصحوبين.
عندما يتحول القلق الاجتماعي إلى عداء
الأكثر إثارة للقلق في المشهد الحالي ليس حجم التدفق وحده، وإنما الطريقة التي بدأ بها جزء من الشارع المحلي يتعامل مع وجود المهاجرين.
فخلال الأيام الأخيرة، شهدت سبتة احتجاجات اتخذ بعضها منحى تصعيدياً، بعدما حاول محتجون مواجهة مهاجرين في أماكن وجودهم، كما تم استهداف مخيمات مؤقتة وإعاقة وصول المساعدات الإنسانية. وقد اضطرت الشرطة إلى التدخل لمنع وقوع مواجهات مباشرة.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: فحين يتحول الضغط الناتج عن أزمة الهجرة إلى استهداف جماعي للمهاجرين، يصبح الأمر أكبر من مجرد خلاف حول إدارة الحدود أو سياسة الاستقبال. إنه يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية النظام العام، وفي الوقت نفسه منع الانزلاق نحو خطاب الكراهية والعنف الجماعي.
وقد دعا وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إلى الهدوء ووقف جميع أشكال العنف، مؤكداً ضرورة التعامل مع الأزمة ضمن القانون وبما يحفظ كرامة الأشخاص المعنيين.
حكومة مدريد تحت ضغط مزدوج
أزمة سبتة وضعت حكومة بيدرو سانشيز أمام معادلة بالغة التعقيد. فمن جهة، يتعين على الحكومة طمأنة سكان المدينة الذين يشعرون بأن الخدمات والبنية التحتية المحلية تتعرض لضغط غير مسبوق. ومن جهة أخرى، فإن أي استجابة أمنية مفرطة أو عمليات طرد جماعي قد تصطدم بالضمانات القانونية والقضائية المتعلقة بحقوق المهاجرين وطلبات اللجوء.
وقد أظهرت الأزمة أيضاً أن المشكلة لا ترتبط فقط بعدد الأشخاص الذين وصلوا إلى المدينة، بل بقدرة الإدارة الإسبانية على تسجيلهم، وفرز الحالات، وتحديد أوضاع القاصرين، والتعامل مع طلبات الحماية الدولية. ولهذا طلبت مدريد دعماً أوروبياً من وكالة فرونتكس للمساعدة في عمليات التسجيل والفحص الأولي للمهاجرين.
وفي الوقت نفسه، يواجه سانشيز انتقادات سياسية متزايدة بشأن مستوى الاستعداد الذي سبق موجة الوصول الجماعي. وكانت نقابات العاملين في الحدود قد تحدثت عن تحذيرات سابقة من ارتفاع وتيرة الوصول عبر البحر، بينما نفت الحكومة الإسبانية لاحقاً وجود تحذير استخباراتي مسبق بحجم الأزمة التي وقعت فعلياً.
بين أمن الحدود والمسؤولية الإنسانية
المفارقة أن سبتة أصبحت اليوم عالقة بين حقيقتين لا يمكن تجاهلهما.
الأولى أن الدولة الإسبانية مطالبة بحماية حدودها وضمان الأمن والاستقرار لسكان المدينة، خصوصاً بعدما أظهرت الأحداث أن تدفقاً بهذا الحجم يمكن أن يتجاوز في ساعات قدرة السلطات المحلية على الاستيعاب.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الهجرة. بينهم قاصرون، وأشخاص فروا من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، وآخرون خاطروا بحياتهم في البحر بحثاً عن فرصة أفضل. وقد أسفرت محاولة العبور الجماعي عن سقوط عشرات الضحايا، ما يضيف بعداً إنسانياً بالغ القسوة إلى الأزمة.
ومن ثم، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن أن تقوم على سياسة استقبال غير قادرة على استيعاب الواقع المحلي.
المغرب وإسبانيا أمام مسؤولية مشتركة
الأزمة أعادت أيضاً ملف التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة إلى الواجهة. فرغم التوترات التي رافقت أحداث سبتة، تؤكد مدريد استمرار التعاون مع الرباط في ضبط الحدود وإعادة الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط البقاء، وهو تعاون وصفه المسؤولون الإسبان بأنه عنصر أساسي في إدارة الأزمة.
لكن حجم ما حدث يفرض مراجعة أعمق للآليات القائمة. فالتعاون الأمني وحده لا يكفي إذا ظلت شبكات التهريب قادرة على استغلال الشائعات والمعلومات المضللة لدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
كما أن معالجة جذور الظاهرة تقتضي مقاربة تتجاوز الحدود: مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، ضبط المعلومات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تحسين آليات الإنذار المبكر، وتسريع الإجراءات القانونية، بالتوازي مع دعم المدن الحدودية التي تتحمل العبء المباشر للأزمات المفاجئة.
سبتة أمام لحظة فاصلة
ما يجري في سبتة اليوم ينبغي ألا يُختزل في صورة مهاجرين يعبرون الحدود أو في احتجاجات سكان غاضبين. فالمشهد أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
إنه اختبار للدولة الإسبانية وللاتحاد الأوروبي، ولكنه أيضاً اختبار للمجتمع نفسه: هل يمكن إدارة الخوف والقلق من دون تحويلهما إلى عداء جماعي؟ وهل تستطيع المؤسسات استعادة السيطرة من دون التضحية بمبادئ دولة القانون؟
الجواب لن يتحدد فقط بعدد المهاجرين الذين سيغادرون سبتة، وإنما بقدرة السلطات على إعادة الهدوء إلى المدينة، وحماية سكانها ومهاجريها في آن واحد، ومنع الأزمة الإنسانية من التحول إلى أزمة كراهية.
فإذا كانت أزمة يوليوز قد كشفت هشاشة الحدود أمام موجة بشرية غير مسبوقة، فإن أحداث غشت تكشف هشاشة أخرى أكثر خطورة: حين يفقد المجتمع ثقته في قدرة الدولة على إدارة الأزمة، يبدأ الشارع في محاولة إدارة الأزمة بنفسه. وعند تلك النقطة، تصبح المخاطر أكبر بكثير من مجرد أزمة هجرة.