المغرب.. حين تمنحك الدولة الإذن ثم تسألك لماذا فعلت ما أذنت لك بفعله؟

بوشعيب البازي

في المغرب، يبدو أن القانون لم يعد دائماً قاعدة تنظم الحياة العامة، بل أحياناً أشبه بإشارة مرور تتغير ألوانها بحسب الجهة التي تنظر إليها. أخضر عندما تمنح الإدارة الترخيص، وأحمر عندما تتذكر الشرطة أن النشاط نفسه ممنوع، وأصفر عندما يحاول المواطن أن يفهم أين أخطأ.

المشكلة ليست في تطبيق القانون. بالعكس، لا أحد يعترض على دولة تطبق قوانينها. المشكلة تبدأ عندما يصبح المواطن مطالباً باحترام قانون لا يبدو أن مؤسسات الدولة نفسها متفقة على كيفية تطبيقه.

خذوا مثلاً قصة سيارات InDrive. تُفتح الأبواب أمام النشاط، وتظهر إعلاناته عبر قنوات رسمية، فيفهم المواطن والسائق، بكل بساطة، أن الأمر أصبح جزءاً من المشهد الاقتصادي والقانوني. ثم، في لحظة ما، تظهر الشرطة لتوقيف بعض السائقين وسحب رخص السياقة.

هنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً جداً، لكنه يبدو في المغرب من الأسئلة الفلسفية الكبرى: إذا كان النشاط ممنوعاً، فلماذا سمحتم له بالظهور والترويج؟ وإذا كان مسموحاً، فلماذا يُعاقب من يمارسه؟

لا أحد يطلب من الدولة أن تترك الفوضى تسود. المطلوب فقط أن تتحدث مؤسساتها اللغة القانونية نفسها.

دولة تمنحك الرخصة ثم تكتشف أنك استعملتها

المفارقة لا تتوقف عند النقل.

في ملف بيع المشروبات الكحولية، تمنح الدولة تراخيص لمؤسسات وأماكن يسمح فيها قانوناً ببيعها. المواطن الذي يدخل إلى المكان المرخص له لا يأتي سراً إلى كهف مهجور، بل إلى مؤسسة حصلت على إذن من الدولة نفسها لممارسة نشاط محدد.

لكن عندما يشرب شخص ما، يمكن أن تتحول المسألة فجأة إلى تدخل أمني.

وهنا أيضاً تظهر تلك العبقرية الإدارية المغربية في أبهى صورها: الدولة تسمح بالنشاط، ثم تتفاجأ بوجود النشاط.

إن كان بيع الخمر قانونياً في مكان مرخص، فالأصل أن يخضع المستهلك للقواعد القانونية المعمول بها، لا أن تتحول الرخصة إلى مصيدة قانونية. وإن كانت هناك مخالفات، فلتُحدد بدقة: السن، السكر العلني، القيادة في حالة سكر، الإخلال بالنظام العام… أما أن يبقى المواطن في منطقة رمادية بين «مسموح» و«ممنوع»، فذلك ليس حكامة قانونية، بل ارتباك تشريعي وتنفيذي.

أما البناء.. فتلك حكاية أخرى

وفي قطاع البناء، يمكن للمواطن أن يمر من الطريق الإداري الطويل: تصميم، وثائق، موافقات، رخصة بناء، ثم يبدأ في تشييد منزله.

وبعد سنوات، أو أحياناً في ظروف أخرى، تأتي المصالح نفسها التي أصدرت الترخيص لتخبره بأن البناء مخالف، وأن الهدم هو الحل.

هنا لا يعود المواطن محتاجاً إلى مهندس معماري، بل إلى خبير في قراءة المستقبل الإداري.

لأن السؤال الحقيقي يصبح: هل الرخصة ضمان قانوني أم مجرد إذن مؤقت إلى حين تغيير رأي الإدارة؟

إذا كانت هناك مخالفة في الملف، فمن يتحمل مسؤوليتها؟ المواطن الذي طلب الترخيص والتزم بما منحته له الإدارة، أم الجهة التي درست الملف ووافقت عليه؟

لا يمكن أن تكون الدولة قوية عندما تمنح الترخيص، ثم تصبح الدولة أقوى عندما تهدم ما رخصت به.

الفندق.. القانون الذي يتغير عند باب الغرفة

ثم نصل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية: العلاقات بين الراشدين داخل الفنادق.

لسنوات، عاش هذا الموضوع بين النص القانوني والممارسة اليومية، وبين ما هو ممنوع صراحة وما هو متداول فعلياً، وبين تعليمات إدارية وممارسات أمنية متفاوتة.

والنتيجة أن المواطن لا يعرف أحياناً هل الفندق مؤسسة تجارية أم امتداد لمخفر شرطة.

إذا كان القانون لا يمنع شخصين راشدين من الإقامة وفق شروط واضحة، فليُطبق القانون كما هو. وإذا كان القانون يفرض شروطاً محددة، فليتم الإعلان عنها بوضوح وتطبيقها على الجميع.

أما أن يدخل شخص إلى فندق وهو يعتقد أنه يمارس حقاً قانونياً، ثم يجد نفسه أمام تدخل أمني بتهمة تتعلق بـ«الفساد»، فهنا لا تعود المسألة أخلاقية بقدر ما تصبح مسألة أمن قانوني.

الدولة الحديثة لا تجعل المواطن يخمن القانون من رد فعل الشرطي.

حرية المعتقد.. لكن رمضان له شرطة خاصة؟

ثم تأتي المفارقة الأكثر حساسية: حرية المعتقد.

يقر المغرب رسمياً بمبدأ حماية ممارسة الشعائر الدينية، وفي الوقت نفسه تظل قضية الأكل والشرب في نهار رمضان في الفضاء العام مجالاً للتدخل الأمني، وفق مقتضيات قانونية معروفة.

مرة أخرى، السؤال ليس دعوة إلى الفوضى ولا إلى استفزاز المجتمع. السؤال أكثر بساطة: كيف تريد الدولة أن توازن بين حرية المعتقد، والنظام العام، والقانون الجنائي، والاختيارات الشخصية؟

إذا كان هناك نص قانوني، فليكن واضحاً ومعلوماً ومطبقاً على نحو متسق. وإذا كان المجتمع يتغير، فليكن النقاش التشريعي صريحاً.

أما إبقاء المواطن بين خطاب رسمي عن الحريات ومقتضيات قانونية يمكن أن تقوده إلى مركز الشرطة بسبب سلوك شخصي، فذلك يخلق تناقضاً لا تحله البيانات الرسمية.

«دولة القانون».. نعم، ولكن أي قانون؟

المفارقة الكبرى أن المغرب يحب كثيراً تقديم نفسه باعتباره دولة قانون ومؤسسات.

وهذا أمر جيد.

لكن دولة القانون لا تعني فقط وجود القوانين في الجريدة الرسمية. دولة القانون تعني أيضاً أن يعرف المواطن مسبقاً ما هو مسموح وما هو ممنوع، وأن يثق بأن الترخيص الذي تمنحه له الإدارة له قيمة قانونية، وأن المؤسسات المختلفة لا ترسل إليه رسائل متناقضة.

لا يمكن أن يكون القانون صباحاً شيئاً، وفي المساء شيئاً آخر.

ولا يمكن أن تكون الإدارة قد قالت للمواطن «نعم»، ثم تأتي مؤسسة أخرى لتقول له «كيف تجرأت على فعل ما قلنا لك إنه مسموح؟».

في دولة المؤسسات، لا ينبغي للمواطن أن يكون هو الحلقة التي تدفع ثمن سوء التنسيق بين المؤسسات.

«طلع تاكل الكرموس.. نزل شكون قالها ليك؟»

المثل المغربي الشهير «طلع تاكل الكرموس، نزل شكون قالها ليك؟» يصلح، للأسف، كعنوان فرعي لفلسفة كاملة في العلاقة بين المواطن والإدارة.

اصعد، لأننا أعطيناك الإذن.

انزل، لأنك استعملت الإذن.

ابنِ، لأننا منحناك الرخصة.

اهدم، لأن البناء أصبح مخالفاً.

قد النشاط، لأننا سمحنا به.

توقف، لأننا اكتشفنا لاحقاً أن النشاط يزعجنا.

ادخل الفندق.

ثم فسّر لنا لماذا دخلت.

كل هذا لا يعني أن القانون غير موجود. المشكلة أن القانون موجود، لكن وضوحه واتساق تطبيقه هما موضع السؤال.

والمواطن المغربي، في النهاية، ليس ضد القانون. بل ربما يكون أكثر الناس رغبة في وجود قانون واضح يحميه من الفوضى ومن المزاجية في آن واحد.

ما يريده بسيط: إذا كان النشاط قانونياً، فليكن قانونياً فعلاً. وإذا كان ممنوعاً، فليكن ممنوعاً بوضوح. وإذا كانت هناك شروط، فلتُعلن قبل أن يدفع المواطن ثمن مخالفتها.

أما أن تتحول الرخصة إلى فخ، والقانون إلى مفاجأة، والشرطة إلى الجهة التي تشرح للمواطن بعد وقوع الواقعة ما كان يجب أن يعرفه قبلها، فهذه ليست دولة القانون التي نريدها.

إن احترام المواطن للقانون لا يحتاج إلى محاضرات.

ما تحتاجه الدولة هو أن تعرف أولاً أي قانون تريد تطبيقه، ومتى، وعلى من، وبأي منطق. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في دولة القانون ليس أن يكون هناك قانون سيئ فقط، بل أن يصبح المواطن غير قادر على معرفة أين يبدأ القانون وأين تنتهي المفارقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com