مخيمات تندوف أمام اختبار الحلول المستدامة.. المغرب يدعو إلى إنهاء اللجوء المزمن وسط تحولات في مسار الصحراء
مجدي فاطمة الزهراء
لم يعد ملف مخيمات تندوف قابلاً للاختزال في أرقام المساعدات الإنسانية أو في البيانات الدبلوماسية المتكررة. فبعد عقود من استمرار الوضع القائم، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: إلى متى سيظل آلاف السكان رهائن أزمة ممتدة، من دون أفق واضح لتسوية أو خيارات عملية تضمن لهم مستقبلاً أكثر استقراراً؟
هذا السؤال أعاد المغرب طرحه من جنيف، خلال الدورة السنوية السابعة والسبعين للجنة التنفيذية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، داعياً المفوضية والدول المانحة إلى الانتقال من منطق تمويل الاحتياجات الطارئة إلى دعم حلول مستدامة، تشمل العودة الطوعية إلى الوطن، أو الاندماج في البلد المضيف، أو إعادة التوطين في بلد ثالث، وفق الاختيارات الحرة للأشخاص المعنيين.
وخلال المناقشة العامة، حذر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، عمر زنيبر، من أن استمرار أوضاع اللجوء لعقود يفاقم الهشاشة الإنسانية ويضع أجيالاً كاملة أمام حالة انتظار مفتوحة. واستحضر في هذا السياق مخيمات تندوف بالجزائر، معتبراً أن طول أمد الأزمة، رغم سنوات المساعدات الدولية، يستدعي مراجعة المقاربة المعتمدة والبحث عن مخارج فعلية تنهي حالة اللجوء المزمن.
المساعدات الإنسانية بين الاستجابة الطارئة وضرورة الرقابة
تتجاوز الدعوة المغربية مسألة زيادة التمويل أو تقليصه، لتطرح إشكالية أكثر جوهرية تتعلق بمدى قدرة المساعدات الإنسانية على تحقيق غاياتها عندما يستمر الوضع الذي استدعى تقديمها من دون أفق للحل.
وقد أثار المغرب مخاوف بشأن تدهور الظروف المعيشية داخل المخيمات، بما في ذلك سوء التغذية والهشاشة واحتمالات تحويل المساعدات عن أهدافها الإنسانية، مستنداً إلى تقارير أممية ودولية أشار إليها في مداخلته. وتظل هذه المسائل، بالنظر إلى حساسيتها، مرتبطة بضرورة التحقق المستقل والشفافية في تدبير المساعدات وضمان وصولها إلى مستحقيها.
وفي هذا الإطار، تكتسب مسألة إحصاء السكان أهمية خاصة، باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد على تحسين التخطيط الإنساني، وتحديد الاحتياجات الفعلية، وتعزيز آليات الرقابة والحماية الفردية. كما أن غياب بيانات دقيقة ومحدثة يثير تساؤلات بشأن القدرة على تقييم حجم الاحتياجات وتحديد المستفيدين ومتابعة أوضاعهم القانونية والإنسانية.
وتبرز هنا مسؤولية المفوضية والدول المانحة في ضمان ألا يتحول التمويل المتكرر إلى بديل عن الحل، وألا يصبح استمرار الأزمة مبرراً دائماً لإعادة إنتاج المقاربة نفسها. فالمساعدات، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تعوض حق الأفراد في العيش بكرامة، ولا أن تحل محل الجهود السياسية الضرورية لإنهاء وضع طال أمده.
من جنيف إلى نيويورك.. تداخل المسارين الإنساني والسياسي
يتزامن التحرك المغربي بشأن مخيمات تندوف مع تطورات متسارعة في المسار الأممي لتسوية نزاع الصحراء. فقد اكتسب القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، أهمية خاصة في النقاش الدبلوماسي، بعدما دعم مسار المفاوضات الرامي إلى التوصل إلى حل سياسي، مع إبراز المبادرة المغربية للحكم الذاتي ضمن المرجعيات الأساسية للتسوية.
وفي مداخلته أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد السفير المغربي عمر هلال على ضرورة انخراط الأطراف المعنية في المفاوضات بحسن نية ومن دون شروط مسبقة، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول. كما ربط بين التقدم في هذا المسار وإمكانية معالجة التداعيات الإنسانية التي يفرضها استمرار الوضع في مخيمات تندوف.
ولا ينفصل هذا الربط عن طبيعة الأزمة نفسها؛ إذ إن أي تقدم سياسي يظل محدود الأثر إذا لم ينعكس على حياة السكان، عبر توسيع خياراتهم وتمكينهم من اتخاذ قرارات حرة بشأن مستقبلهم. وفي المقابل، فإن معالجة الجانب الإنساني بمعزل عن أفق سياسي واضح قد تبقي الأزمة في دائرة التدبير المؤقت، مهما تعددت المبادرات والنداءات الدولية.
خلاف مع دي ميستورا يكشف صعوبة المرحلة
في موازاة التحرك المغربي، تصاعد التوتر بين جبهة البوليساريو والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، بعدما انتقدت الجبهة ما اعتبرته ابتعاداً عن الحياد، على خلفية طرح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات المقبلة.
وقال ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، إن موقف المبعوث الأممي، خلال إحاطة مغلقة أمام مجلس الأمن في 8 أكتوبر، أثار تحفظات البوليساريو، ملمحاً إلى إمكان إعادة النظر في مستوى التعاون معه. وجاء ذلك عقب لقاء مع وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو.
ويعكس هذا الخلاف حجم التباعد بين الأطراف بشأن مرجعية المفاوضات المقبلة، كما يكشف أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من المسار السياسي لن يكون خالياً من الاعتراضات. غير أن الاعتراض على مقاربة الوسيط الأممي لا يغير من حقيقة أن أي تسوية تحتاج إلى انخراط الأطراف المعنية في مفاوضات جدية، وفق المرجعيات التي يحددها مجلس الأمن.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو» في 31 أكتوبر، وما يرافق ذلك من نقاش بشأن مستقبل دورها ومقتضيات المرحلة المقبلة.
بوشعيب البازي: استمرار أزمة تندوف يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة المقاربة الإنسانية
في تعليقه على هذه التطورات، يرى الصحفي بوشعيب البازي أن الدعوة المغربية إلى الانتقال نحو حلول مستدامة لسكان مخيمات تندوف تفتح النقاش حول حدود المقاربة الإنسانية المعتمدة منذ عقود، ومدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في أوضاع السكان.
ويعتبر البازي أن التحدي لا يكمن في استمرار تقديم المساعدات الضرورية، بل في ضمان ألا تتحول الاستجابة الإنسانية إلى آلية دائمة لإدارة أزمة ممتدة، من دون أفق واضح لتسويتها. فالمساعدات، بحسب قراءته، تظل ضرورة لحماية الفئات الهشة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة الأسباب السياسية والإنسانية التي تجعل حالة الانتظار مستمرة عبر الأجيال.
ويشدد الصحفي على أن الشفافية في تدبير المساعدات، والتحقق من أعداد السكان واحتياجاتهم، وتعزيز الرقابة على توزيع التمويل، تمثل عناصر أساسية لضمان احترام المبادئ الإنسانية.
وعلى المستوى السياسي، يربط البازي بين فرص إنهاء الأزمة ومدى قدرة المسار الأممي على تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات. ويعتبر أن التطورات المرتبطة بالقرار 2797 تعيد طرح مسألة مرجعيات التسوية، غير أن أهميتها العملية ستظل مرتبطة بمدى انعكاسها على فرص التوصل إلى حل سياسي قابل للتطبيق، يضع حداً للنزاع ويفتح المجال أمام معالجة تداعياته الإنسانية.
كما أن الحلول الثلاثة التي تستند إليها المقاربة الدولية لأوضاع اللاجئين — العودة الطوعية، والاندماج في البلد المضيف، وإعادة التوطين — تكتسب قيمتها من كونها خيارات فعلية متاحة للأفراد، لا شعارات دبلوماسية. ولا يمكن أن تكون العودة طوعية بالمعنى الحقيقي إلا إذا استندت إلى قرار حر ومستنير، وتوافرت بشأنه الضمانات اللازمة.
أما على المستوى السياسي، فإن التطورات المرتبطة بالقرار 2797 تفرض قراءة المرحلة بعيداً عن منطق الانتصار الخطابي. فالقيمة العملية لأي تحول دبلوماسي تقاس بقدرته على دفع الأطراف نحو مفاوضات جدية، وتقريب المسافات بينها، وإنتاج تسوية قابلة للتطبيق. ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تثبيت مرجعيات التفاوض، بل في تحويلها إلى مسار سياسي قادر على إنهاء النزاع وتخفيف كلفته الإنسانية.
إن استمرار الخلاف بشأن دور المبعوث الأممي أو بشأن الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه المفاوضات لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الذي تغير فعلياً في حياة سكان المخيمات بعد كل هذه السنوات؟ فالمعيار الإنساني لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بمدى ما يتحقق من حماية وكرامة وحرية في الاختيار.
إنهاء الانتظار مسؤولية دولية مشتركة
تتقاطع اليوم الدعوة المغربية إلى حلول مستدامة مع النقاش المتجدد بشأن مستقبل العملية السياسية في الصحراء. وبين المسارين، تبرز الحاجة إلى مقاربة تجمع بين احترام القانون الدولي، وضمان الحماية الإنسانية، وتعزيز الشفافية في تدبير المساعدات، وتهيئة الظروف اللازمة لتسوية سياسية دائمة.
ولا يمكن اختزال مسؤولية المجتمع الدولي في الاستجابة للاحتياجات الآنية، كما لا يمكن فصل الحل الإنساني عن الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع. فالمطلوب هو انتقال تدريجي ومدروس من إدارة الأزمة إلى معالجة أسباب استمرارها، مع وضع حقوق السكان ومصالحهم في مقدمة الأولويات.
وبالنسبة إلى المغرب، تشكل هذه المرحلة فرصة لتعزيز طرحه القائم على ربط التسوية السياسية بالحلول العملية للأبعاد الإنسانية للنزاع. غير أن الاختبار الحقيقي سيظل في قدرة الجهود الأممية على ترجمة المواقف الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة، تتيح للسكان المعنيين خيارات حقيقية ومستدامة.
فبعد عقود من الانتظار، لم يعد السؤال ما إذا كانت الأزمة تستحق مزيداً من المساعدات، بل كيف يمكن لهذه المساعدات، إلى جانب التحرك السياسي، أن تسهم في إنهاء الظروف التي تجعل الحاجة إليها مستمرة جيلاً بعد جيل.