محمد عامر… السفير الذي نسي نفسه في الكرسي

بوشعيب البازي

تسع سنوات! نعم، تسع سنوات كاملة ومحمد عامر ما يزال يجلس في سفارة المملكة المغربية ببروكسل، كأن المنصب خُلق له وحده، أو كأن الكرسي التصق بصاحبه وأقسم ألا يُفارقه إلا بالمغادرة الأبدية.

في العُرف الدبلوماسي، يُفترض أن السفراء يأتون ويغادرون كما تتبدّل الفصول. لكن في حالة محمد عامر، بدا أن بروكسل تحوّلت إلى منفى مريح، أو “تقاعد فاخر” تحت لافتة العمل الدبلوماسي.

بين “سفير” و“عمدة الجالية”

حين يتحدث محمد عامر، يخال المرء أنه ليس ممثلاً للمغرب بقدر ما هو “عمدة” للجالية المغربية في بلجيكا. يكرّر العبارات ذاتها منذ تسع سنوات: “الارتباط بالوطن الأم”، “تعزيز الجسور مع الجالية”، “مواصلة الجهود من أجل الاندماج”… إلى آخر القاموس الدبلوماسي الذي حفظه عن ظهر قلب.

لكن خلف الكلمات، لا مشاريع حقيقية، لا مبادرات اقتصادية أو ثقافية نوعية، ولا أثر ملموس يعكس دينامية دبلوماسية تليق ببلد بحجم المغرب ومكانته في أوروبا.

بروكسل تدار بـ”الطيّار الآلي”

من يستمع لأعضاء الجالية المغربية في بلجيكا، يدرك أن السفارة تدار منذ سنوات على “الطيّار الآلي”: نفس الطقوس، نفس الوجوه، نفس الملل.

لا أحد ينكر أن السفير كان حاضراً في بعض اللقاءات والاحتفالات، وأنه استقبل وفوداً وكرّم فعاليات. لكن، أليس هذا هو الحد الأدنى من مهام أي سفير؟ أين المبادرة؟ أين النفَس الجديد؟ أين أثر المغرب في قلب أوروبا بعد كل هذه السنوات؟

“صبرنا له حدّ

صبرنا له حد  والكرسي لم يعد يملك سوى امتداده. إما أن تعود السفارة للحياة، أو أن تُعاد إليها الحركة من خلال معلومات خطيرة سيتم نشرها و سيتم طرده ليس فقط من السفارة المغربية ببرركسيل و لكن كذلك من التراب البلجيكي اضافة إلى متابعات قانونية يمكنها ان تهدم كل ما بناه منذ تسع سنوات . وإلى أن يحصل ذلك، سنواصل فضح الركود والبهرجة الديبلوماسية عبر تحقيقات صحفية قانونية ومنشورات مدعومة بالوثائق والشهود .

الدبلوماسية ليست داراً للمسنين

الدبلوماسية الحديثة تقوم على الحركة، التجديد، والفعالية. السفير ليس تمثالاً برونزياً يوضع في صالة الشرف، بل هو محرك دبلوماسي يُنتظر منه أن يفتح الأبواب، يخلق الفرص، ويجدد الخطاب.

غير أن عامر، بعد كل هذه المدة، يبدو وكأنه تحوّل من فاعل إلى “ذكرى دبلوماسية”، ومن ممثل للمغرب إلى جزء من ديكور السفارة. لقد فقد المنصب نبضه، وفقدت الجالية الإحساس بأن وراء تلك الجدران من يدافع عنها حقاً أو من يبتكر لها حلولاً جديدة.

عبء على الدبلوماسية لا رافعة لها

أن يبقى سفير في منصبه تسع سنوات دون تقييم أو تغيير، فذلك ليس دليلاً على الكفاءة، بل على الجمود. إنّ بقاء عامر كل هذا الوقت جعل منه عبئاً على الدبلوماسية المغربية بدل أن يكون أحد أذرعها الحيوية.

لقد تحوّل المنصب من فضاء للمبادرة إلى “زاوية راحة”، وأصبح صوت المغرب في بروكسل خافتاً إلى درجة الغياب. وحتى عندما تتصاعد القضايا الحساسة، مثل العلاقة مع المؤسسات الأوروبية أو ملفات الإسلام في بلجيكا، لا يُسمع سوى صدى كلمات دبلوماسية باردة، لا تُقنع أحداً.

قبل أن يموت في الكرسي

ربما حان الوقت أن نقولها بصراحة دبلوماسية قاسية: لا أحد خُلق ليبقى سفيراً مدى الحياة. فالمناصب ليست أبدية، ولا الكراسي أوطاناً بديلة.

محمد عامر قدّم ما استطاع، وربما آن له أن يُفسح المجال لدماء جديدة تُعيد الحيوية للسفارة المغربية في بروكسل، قبل أن “يموت في الكرسي” كما يهمس البعض بسخرية بين الجالية.

ليس الأمر شخصياً، بل هو مبدأ: الدبلوماسية المغربية تستحق أن تتنفس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com