سفير المغرب في بروكسل وإقامة بلجيكية مزعومة: عندما تتحول الأسئلة إلى قضية رأي عام
حنان الفاتحي
في عالم الدبلوماسية، حيث يُفترض أن تكون جوازات السفر الدبلوماسية كافية لفتح الأبواب الرسمية، يبدو أن بعض القصص المتداولة في بعض المواقع الإلكترونية تدفعنا إلى التساؤل: هل يحتاج سفير دولة إلى بطاقة إقامة عادية في البلد الذي يمثل فيه بلاده؟ وإذا كان الأمر صحيحاً، فما هي المبررات القانونية والسياسية والأخلاقية لذلك؟
هذه الأسئلة عادت إلى الواجهة بعد تداول معطيات تتعلق بالسفير المغربي الحالي لدى بلجيكا ولوكسمبورغ، محمد عامر، الوزير السابق المكلف بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، والتي تزعم حصوله، خلال فترة سابقة، على وثائق إقامة قانونية ببلجيكا عبر مساطر يلفها الكثير من الغموض.
لكن بعيداً عن المسار السياسي والدبلوماسي المعروف، تطرح بعض المنابر الإعلامية رواية مختلفة تماماً، تتحدث عن حصوله على إقامة قانونية ببلجيكا خلال فترة توليه مسؤوليات حكومية. وهي ادعاءات خطيرة، إن صحت، لأنها تثير أسئلة تتجاوز الجانب الإداري لتلامس حدود الأخلاقيات السياسية واستعمال النفوذ.
هل يتعلق الأمر بإجراء قانوني عادي؟
من الناحية القانونية البحتة، لا يوجد ما يمنع أي مواطن أجنبي من طلب الإقامة في بلجيكا إذا استوفى الشروط المنصوص عليها قانوناً، سواء بصفته مستثمراً أو مالكاً لمشروع اقتصادي أو لأي سبب مشروع آخر.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل حصل على الإقامة؟ بل: كيف حصل عليها؟
إذا كانت الإجراءات قد تمت وفق المساطر القانونية العادية، فإن القضية تفقد الكثير من بعدها المثير. أما إذا ثبت وجود تدخلات سياسية أو استغلال لعلاقات نافذة لتسهيل الحصول عليها، فإننا نكون أمام نقاش مختلف تماماً يتعلق بتضارب المصالح واستغلال النفوذ.
لماذا يحتاج وزير مكلف بالجالية إلى إقامة بلجيكية؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الحاجة العملية لشخص يتولى مسؤولية حكومية مغربية، ويتمتع بامتيازات رسمية واسعة، للحصول على إقامة دائمة أو طويلة الأمد في بلد أجنبي؟
هل كان الأمر مرتبطاً باستثمارات خاصة؟
هل كان استعداداً لمستقبل مهني أو عائلي في بلجيكا؟
أم أن هناك تفسيرات أخرى لم تُكشف للرأي العام؟
في غياب إجابات رسمية، تبقى كل التأويلات مجرد فرضيات.
من الإقامة إلى السفارة… هل تغير الوضع القانوني؟
في حال صحة المعطيات المتداولة بشأن امتلاك إقامة بلجيكية، يبرز تساؤل آخر أكثر حساسية:
هل يحتفظ السفير المعتمد لدى بلجيكا بإقامته العادية بعد حصوله على الوضع الدبلوماسي؟
وهل يتوافق ذلك مع الأعراف الدبلوماسية المعمول بها؟
من حيث المبدأ، يخضع الدبلوماسيون المعتمدون لنظام قانوني خاص تحدده اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لكن التفاصيل المتعلقة بأي وضع إداري سابق تبقى خاضعة للتشريعات الوطنية والإجراءات الإدارية للدولة المضيفة.
بين الإشاعة والحقيقة
المشكلة الأساسية في هذا الملف ليست في خطورة الادعاءات فحسب، بل في غياب توضيحات رسمية قاطعة.
فإذا كانت المعلومات المتداولة غير صحيحة، فإن الصمت يساهم في تغذية الشائعات.
أما إذا كانت صحيحة، فإن الرأي العام من حقه معرفة الظروف التي أحاطت بها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين تقلدوا مناصب عليا يفترض أن تكون نموذجاً للنزاهة والشفافية.
الصندوق الأسود للسفارات… سؤال قديم يتجدد
تتجاوز التساؤلات المتداولة قضية الإقامة لتصل إلى طريقة تدبير الموارد المالية داخل بعض البعثات الدبلوماسية.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
هل تخضع ميزانيات السفارات والقنصليات المغربية لرقابة دورية وفعالة من طرف المؤسسات المختصة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات؟
الشفافية المالية لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت ضرورة لتعزيز الثقة في المؤسسات العمومية، خصوصاً تلك التي تمثل صورة المغرب في الخارج.
ما الذي يحتاجه هذا الملف فعلاً؟
بعيداً عن الإثارة الإعلامية والتجاذبات السياسية، يحتاج هذا الملف إلى ثلاثة عناصر أساسية:
- وثائق رسمية تثبت أو تنفي حصول المعني بالأمر على إقامة بلجيكية؛
- توضيحات من الجهات المختصة حول مدى قانونية الإجراءات المتبعة؛
- رد رسمي من السفير محمد عامر يضع الرأي العام أمام روايته للأحداث.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الملف في منطقة رمادية، تتقاطع فيها الشائعات مع الأسئلة المشروعة.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل حصل محمد عامر على إقامة بلجيكية؟
بل: هل أصبحت الشفافية داخل المؤسسات العمومية والدبلوماسية المغربية خياراً مؤجلاً، أم ضرورة لا تحتمل المزيد من التأجيل؟
لأن أخطر ما يمكن أن يواجه المؤسسات ليس وجود الأسئلة، بل غياب الإجابات.