محمد عامر… عندما يتحول البقاء في المنصب إلى إنجاز دبلوماسي قائم بذاته
بوشعيب البازي
في عالم الدبلوماسية، حيث تُقاس النجاحات بحجم الاختراقات السياسية، وعدد الشراكات الاستراتيجية، وقدرة السفراء على تعزيز مصالح بلدانهم والدفاع عن صورتها في الخارج، تبدو بعض التجارب الإدارية وكأنها تنتمي إلى مدرسة مختلفة تماماً؛ مدرسة تعتبر أن الاستمرارية في المنصب هي الإنجاز الأبرز، وأن مرور السنوات دون حصيلة واضحة ليس مؤشراً على الركود، بل دليلاً على براعة استثنائية في فن البقاء.
أكثر من عشر سنوات في المنصب ليست مجرد مدة زمنية عادية في الأعراف الدبلوماسية الحديثة. إنها فترة كافية لتغيير حكومات، وإعادة رسم تحالفات دولية، وصعود قوى جيوسياسية جديدة، بل وحتى لتغيير أولويات السياسة الخارجية نفسها. غير أن بعض المسؤولين ينجحون في تحقيق معجزة إدارية نادرة: البقاء ثابتين بينما يتغير كل شيء من حولهم.
في العلوم السياسية، يُنظر إلى طول مدة المسؤولية باعتبارها فرصة لتراكم الخبرة وتحقيق نتائج ملموسة. أما في بعض الحالات الاستثنائية، فإن الزمن يتحول إلى شاهد محايد يراقب بصمت مشهداً يبدو فيه المنصب أشبه بعضوية دائمة غير معلنة في مجلس خاص بالنخب الإدارية التي نجحت في اكتشاف سر الخلود الوظيفي.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في هذه الظاهرة هو القدرة الفائقة على إدارة “سياسة اللاحدث”. فبينما تنشغل الدبلوماسية العالمية ببناء النفوذ، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتعبئة الجاليات الوطنية لخدمة المصالح العليا للدولة، يمكن لبعض المسؤولين أن يقدموا نموذجاً مغايراً يقوم على مبدأ بسيط: إذا لم تتحرك كثيراً، فلن ترتكب أخطاء واضحة تستدعي المساءلة.
إنها فلسفة دبلوماسية متقدمة، تقوم على الحضور البروتوكولي الهادئ، وإتقان فن التقاط الصور التذكارية، وإدارة المناسبات الرسمية بكفاءة لوجستية لا غبار عليها، وكأن وظيفة السفير قد اختُزلت في تنظيم حفلات الاستقبال والإشراف على مراسم الاحتفالات الوطنية، بدلاً من أن تكون منصة للدفاع عن المصالح الاستراتيجية للدولة وتطوير حضورها الدولي. أما في أعين بعض الصحافة الساخرة، فإن الأمر يرتقي إلى مستوى “ثورة مفاهيمية” في العمل الدبلوماسي، حيث يصبح عدد المصافحات الرسمية مؤشراً على النجاح، وتتحول الابتسامات أمام عدسات المصورين إلى إنجازات تُدرج ضمن حصيلة الأداء السنوية، فيما يُنظر إلى الملفات السياسية والاقتصادية المعقدة باعتبارها تفاصيل ثانوية يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر. وبمنطق التهكم الصحفي، يبدو أن بعض السفارات نجحت في إعادة تعريف الدبلوماسية الحديثة: أقل قدر من الضجيج السياسي، وأكثر قدر ممكن من الصور الجماعية والولائم الأنيقة، في تجسيد عملي لمقولة غير مكتوبة مفادها أن “العلاقات الدولية تبدأ من حسن تنظيم حفل الاستقبال، وقد تنتهي عنده أيضاً”.
وفي زمن أصبحت فيه الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والأمنية أدوات أساسية لقياس الأداء، يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط: ما هي الحصيلة الفعلية لأكثر من عقد من التمثيل الدبلوماسي؟ وما هي المبادرات النوعية التي تركت أثراً مستداماً؟ وأي مكاسب تحققت للجالية أو للعلاقات الثنائية خلال هذه السنوات الطويلة؟
المفارقة الساخرة أن غياب الإجابات الواضحة قد يتحول بحد ذاته إلى إنجاز إداري نادر. ففي عالم السياسة، عادة ما يُحاسب المسؤولون على ما أنجزوه أو أخفقوا فيه. أما في بعض النماذج البيروقراطية المتقدمة، فإن النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على عبور السنوات بهدوء، دون ضجيج الإنجازات ودون إزعاج الأسئلة المتعلقة بالحصيلة.
وربما آن الأوان لإضافة مؤشر جديد إلى معايير تقييم الأداء الدبلوماسي: “مؤشر القدرة على الاستمرار”. وهو معيار افتراضي يقيس قدرة المسؤول على الحفاظ على موقعه رغم تغير السياقات السياسية وتبدل الأولويات الاستراتيجية وتزايد تطلعات المواطنين. وفي هذا المجال تحديداً، يبدو أن بعض الأسماء تستحق مرتبة متقدمة بكل جدارة.
لا يتعلق الأمر هنا بالأشخاص بقدر ما يتعلق بثقافة إدارية أوسع، قد تجعل من طول البقاء في المنصب بديلاً عن منطق النجاعة والمحاسبة وتجديد النخب. فالمؤسسات القوية لا تُقاس بقدرتها على ضمان الاستقرار فقط، بل أيضاً بقدرتها على تقييم الأداء بشكل دوري، وضخ دماء جديدة، وربط المسؤولية بالنتائج الملموسة.
إن الدبلوماسية الحديثة لم تعد مجالاً للوجاهة الاجتماعية أو الامتيازات البروتوكولية، بل أصبحت ساحة تنافسية تتطلب المبادرة والابتكار والقدرة على استباق التحولات الدولية. وفي هذا السياق، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا بقي هذا المسؤول كل هذه السنوات، بل كيف أصبحت استمرارية المنصب في حد ذاتها مؤشراً كافياً لتجنب النقاش حول الحصيلة.
في النهاية، قد يكون من الظلم اختزال عقد كامل في عبارة “حصيلة صفر”. فالصفر، في الرياضيات على الأقل، رقم يحمل قيمة دقيقة وواضحة ويمكن قياسه بسهولة. أما في الإدارة العامة، فإن المشكلة تبدأ عندما يصبح من الصعب تحديد ما إذا كانت الحصيلة غائبة فعلاً، أم أنها ذابت وسط سنوات طويلة من الاعتياد المؤسسي، حيث يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الديمومة إنجازاً يفوق في أهميته أي نتائج ملموسة.
وربما يكون أعظم إنجاز تحقق خلال هذه السنوات هو إثبات حقيقة سياسية قديمة: ليس من الضروري دائماً أن تصنع الحدث حتى تبقى في الواجهة؛ أحياناً يكفي أن تتقن فن الانتظار، وأن تجعل من مرور الوقت أستراتيجية عمل قائمة بذاتها.
:::