الدبلوماسية المغربية بين منطق الكفاءة وثقافة الترضيات: هل تحتاج القنصليات إلى دبلوماسيين أم إلى إدارة هجينة؟
بوشعيب البازي
في عالم الدبلوماسية الحديثة، لا تُدار السفارات والقنصليات بمنطق الوجاهة الاجتماعية، ولا باعتبارها محطات لتكريم المسارات السياسية أو مكافأة الولاءات الحزبية. فالدبلوماسية اليوم أصبحت مهنة قائمة بذاتها، لها مدارسها، وتكوينها المتخصص، ومساراتها المهنية الدقيقة، حيث يُفترض أن يكون السفير أو القنصل نتاج سنوات من التدريب والتدرج داخل وزارة الخارجية، واكتساب الخبرة في إدارة الملفات القنصلية والدبلوماسية المعقدة.
لكن، في بعض الأحيان، يبدو أن بعض التعيينات في التمثيليات المغربية بالخارج تخضع لفلسفة مختلفة تماماً؛ فلسفة تقوم على مبدأ مفاده أن إدارة العلاقات الدولية لا تختلف كثيراً عن إدارة الحملات الانتخابية، وأن القدرة على إلقاء الخطب السياسية قد تكون كافية لتولي مسؤولية تمثيل دولة في الخارج.
وهكذا، يجد بعض الدبلوماسيين المهنيين أنفسهم يشتغلون جنباً إلى جنب مع مسؤولين قدموا من عوالم أخرى: أحزاب سياسية، مؤسسات عمومية لا علاقة لها بالعمل الدبلوماسي، أو شبكات علاقات شخصية نجحت في اختصار سنوات من التكوين والخبرة في قرار تعيين واحد.
المفارقة أن وزارة الشؤون الخارجية تستثمر سنوات طويلة في تكوين أطرها، وتعريضهم لتجارب ميدانية متنوعة داخل الإدارة المركزية وخارجها، قبل أن يكتشف بعضهم أن الوصول إلى أعلى المناصب قد لا يرتبط دائماً بالكفاءة المهنية أو التدرج الطبيعي، بل أحياناً بعوامل أخرى أكثر مرونة من معايير الاستحقاق التقليدية.
الدبلوماسية ليست مجرد حضور في حفلات الاستقبال، ولا التقاط الصور التذكارية خلال الاحتفالات الوطنية، ولا إتقان فن الابتسام أمام عدسات المصورين. إنها إدارة أزمات، وتفاوض، ودفاع عن مصالح وطنية، وتأطير للجالية، واستشراف للتحولات السياسية والاقتصادية في دول الاعتماد.
ولذلك، فإن تعيين أشخاص لم يعيشوا تفاصيل المؤسسة الدبلوماسية من الداخل قد يخلق اختلالات حقيقية في الأداء، ليس بالضرورة بسبب سوء النية، وإنما بسبب غياب الثقافة المؤسساتية المتخصصة التي لا تُكتسب بالصفة السياسية ولا بالخبرة الإدارية العامة.
القنصليات ليست مختبرات للتجارب الإدارية
من بين الإشكالات التي كثيراً ما تطرح داخل بعض القنصليات والسفارات، وجود تعدد في المرجعيات المهنية داخل المؤسسة الواحدة.
فالدبلوماسي المهني يخضع لمنطق وزارة الخارجية وأعرافها وتقاليدها الإدارية، بينما قد يعتمد القادم من خارج القطاع مقاربة مختلفة، مستمدة من خلفيته الحزبية أو الإدارية السابقة. والنتيجة أحياناً هي تضارب في طرق التدبير، وغموض في توزيع المسؤوليات، وصعوبة في بناء انسجام مؤسساتي فعال.
أما عندما يتعلق الأمر بموظفين تابعين لمؤسسات أخرى يتم إلحاقهم بالقنصليات، فإن الإشكال يصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تتداخل الاختصاصات أو تتعدد مراكز القرار داخل البعثة الواحدة.
وفي هذا السياق، يثير استمرار إيفاد موظفين تابعين لمؤسسات موازية، من قبيل مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا النموذج، في ظل وجود مصالح قنصلية وقطاعات مختصة داخل وزارة الخارجية يفترض أن تضطلع بمهام التأطير والمواكبة والتواصل مع الجالية المغربية.
فالمواطن المقيم بالخارج لا يعنيه الانتماء الإداري للموظف الذي يستقبله، بقدر ما يهمه الحصول على خدمة فعالة، واضحة، وسريعة. أما تعدد المتدخلين، فقد يتحول أحياناً إلى مصدر للارتباك المؤسسي بدل أن يكون عنصر قوة.
الأعوان المحليون: بين ضرورة الاستمرارية وتحديات الحكامة
لا يمكن إنكار الدور المهم الذي يلعبه الأعوان المحليون داخل القنصليات والسفارات المغربية. فبحكم معرفتهم بالقوانين المحلية، وإتقانهم للغات، واستمراريتهم داخل المؤسسة، يشكلون ركيزة أساسية لضمان استمرارية العمل الإداري.
غير أن غياب إطار موحد وواضح لتدبير وضعيتهم المهنية قد يؤدي إلى ظهور بعض الإشكالات، من قبيل:
- تفاوت معايير التوظيف من بعثة إلى أخرى؛
- غياب مسارات واضحة للتقييم والترقية؛
- تراكم نفوذ غير رسمي نتيجة طول مدة الاشتغال؛
- صعوبة إدماج الموظفين الجدد داخل بيئات عمل تشكلت فيها توازنات غير مكتوبة؛
- احتمال نشوء مراكز تأثير موازية داخل بعض البعثات.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في كفاءة هذه الفئة، بل بالتأكيد على ضرورة وضع نظام حديث لتدبير الموارد البشرية يضمن الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.
منطق الدولة أم منطق الترضيات؟
الدول التي نجحت في بناء دبلوماسية قوية لم تفعل ذلك عبر التعيينات الظرفية أو الحلول الهجينة، بل من خلال الاستثمار في العنصر البشري المتخصص، وربط المسؤولية بالكفاءة، وتجديد النخب بشكل دوري.
فالسفير والقنصل ليسا مجرد ممثلين بروتوكوليين للدولة، بل هما واجهتها السياسية والاقتصادية والثقافية والقنصلية. وأي اختلال في معايير الاختيار ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى صورة البلد في الخارج.
ولعل الوقت قد حان لإطلاق نقاش هادئ ومسؤول حول مستقبل الدبلوماسية المغربية، يقوم على أسئلة بسيطة لكنها جوهرية:
هل يجب أن تكون الأولوية لأطر وزارة الخارجية التي تكونت داخل المؤسسة وتدرجت في مسؤولياتها؟
هل آن الأوان لإعادة النظر في نماذج الإلحاق الإداري داخل القنصليات؟
وهل يحتاج وضع الأعوان المحليين إلى إصلاح شامل يحقق التوازن بين تثمين خبرتهم وضمان حكامة حديثة وشفافة؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بإقصاء أحد أو التشكيك في نوايا أي طرف، بل بتكريس مبدأ بسيط تطبقه معظم الديمقراطيات الحديثة: المناصب الدبلوماسية ليست جوائز ترضية، والقنصليات ليست فضاءات للتجريب الإداري، بل مؤسسات سيادية تستحق أن تُدار بأعلى درجات الاحترافية والكفاءة.
ففي عالم العلاقات الدولية، لا يكفي أن يمثل المسؤول الدولة في الصور الرسمية، بل المطلوب أن يمثل مصالحها بالكفاءة نفسها التي تمثل بها الدول القوية نفسها على الساحة الدولية.