لماذا تراهن واشنطن على المغرب عسكرياً؟ قراءة في توازنات الصحراء والجزائر وإسبانيا والساحل الإفريقي

بوشعيب البازي

Screenshot

في العلاقات الدولية، لا تُمنح الأسلحة مجاناً، ولا تُبرم صفقات الدفاع خارج حسابات التوازنات الكبرى. وعندما يتعلق الأمر بالمغرب والولايات المتحدة، فإن التعاون العسكري بين البلدين يتجاوز منطق البيع والشراء التقليدي، ليدخل في إطار شراكة استراتيجية عميقة تعكس تحولات جيوسياسية متسارعة في غرب المتوسط، ومنطقة الساحل، وشمال إفريقيا. فالدعم العسكري الأمريكي المتواصل للمغرب ليس حدثاً معزولاً، بل نتيجة قراءة أمريكية تعتبر الرباط فاعلاً مستقراً وموثوقاً في محيط إقليمي مضطرب.

المغرب: حليف استراتيجي خارج الناتو

منذ سنة 2004، حين منحته واشنطن صفة “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو”، دخل المغرب مرحلة جديدة من التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة. هذه الصفة لا تُمنح إلا لدول ترى فيها واشنطن شريكاً طويل الأمد في حماية مصالحها الاستراتيجية.

بالنسبة لصانع القرار الأمريكي، يشكل المغرب نموذجاً نادراً في منطقة تعرف هشاشة سياسية وأمنية. فهو دولة ذات مؤسسات مستقرة، وجيش منظم، وأجهزة أمنية ذات خبرة عالية في مكافحة الإرهاب، كما أنه يتمتع بموقع جغرافي بالغ الحساسية يطل على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ويقع على مسافة قريبة من أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء.

لهذه الأسباب، ترى واشنطن في تسليح المغرب استثماراً في الاستقرار أكثر منه مجرد صفقة عسكرية.

الرسالة غير المعلنة إلى الجزائر

لا يمكن فهم التعاون العسكري الأمريكي المغربي دون استحضار التنافس الإقليمي بين الرباط والجزائر. فالجزائر ضاعفت خلال العقدين الأخيرين من إنفاقها العسكري، واعتمدت بشكل شبه كامل على السلاح الروسي، ما جعلها من أكبر مستوردي الأسلحة في إفريقيا.

في المقابل، اختار المغرب تنويع مصادر تسليحه، مع تركيز واضح على التكنولوجيا الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية. ومن منظور أمريكي، فإن تقوية القدرات الدفاعية المغربية تضمن توازناً استراتيجياً في المنطقة، وتمنع أي اختلال قد يدفع نحو سباق نفوذ غير محسوب.

واشنطن تدرك أن شمال إفريقيا لا يحتمل هيمنة قوة واحدة، لذلك فإن دعم المغرب يدخل ضمن سياسة “توازن القوى الهادئ”، دون الانخراط المباشر في الصراعات الثنائية.

إسبانيا: الحليف الأوروبي الذي يحتاج إلى توازن

قد يبدو للبعض أن تعزيز قدرات المغرب العسكرية قد يثير قلق إسبانيا، لكن القراءة الاستراتيجية أكثر تعقيداً. فمدريد، رغم حساسياتها التاريخية مع الرباط، تدرك أن استقرار المغرب جزء من أمنها القومي المباشر، خصوصاً في ملفات الهجرة غير النظامية، والإرهاب، والطاقة، والممرات البحرية.

من هذا المنطلق، لا تنظر واشنطن إلى تسليح المغرب باعتباره موجهاً ضد إسبانيا، بل كعامل استقرار في الضفة الجنوبية للمتوسط. فدولة مغربية قوية ومؤسساتية أفضل لأوروبا من فضاء هش قابل للاختراق من الجماعات المتطرفة أو شبكات التهريب.

كما أن التحول الإسباني الأخير في دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالصحراء يعكس فهماً أوروبياً جديداً بأن الشراكة مع الرباط أكثر جدوى من منطق التوترات القديمة.

الساحل الإفريقي: الجبهة الحقيقية القادمة

السبب الأكثر عمقاً وراء تسليح المغرب قد لا يوجد في الجزائر أو إسبانيا، بل جنوباً، في منطقة الساحل الإفريقي. فهذه المنطقة أصبحت أحد أخطر فضاءات العالم من حيث تمدد الإرهاب، والانقلابات العسكرية، والتدخلات الروسية، وتراجع النفوذ الغربي.

في هذا السياق، تراهن واشنطن على المغرب باعتباره بوابة موثوقة نحو إفريقيا. الرباط نسجت خلال السنوات الأخيرة شبكة علاقات اقتصادية وأمنية ودينية واسعة مع دول الساحل وغرب إفريقيا، وتتمتع بصورة إيجابية لا تتوفر لكثير من القوى الغربية.

ومن ثم، فإن تطوير القدرات العسكرية المغربية يخدم رؤية أمريكية أوسع تقوم على تمكين حلفاء إقليميين قادرين على لعب أدوار أمنية ولوجستية في محيطهم، بدل التدخل الأمريكي المباشر المكلف سياسياً ومالياً.

الصحراء المغربية: البعد السياسي الحاسم

تبقى قضية الصحراء عنصراً مركزياً في هذه المعادلة. فالاعتراف الأمريكي سنة 2020 بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية لم يكن قراراً رمزياً فقط، بل تعبيراً عن اقتناع استراتيجي بأن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

ومن هذا المنظور، فإن تقوية المغرب عسكرياً تعني أيضاً حماية الاستقرار في منطقة الصحراء ومنع تحول النزاع إلى بؤرة مفتوحة تهدد التجارة الأطلسية وأمن الساحل وشمال إفريقيا.

واشنطن تعرف أن استمرار النزاع يخدم شبكات الفوضى، بينما حسمه ضمن حل سياسي واقعي يفتح المجال للاستثمار والربط الطاقي والتعاون الإقليمي.

نحو هندسة أمنية جديدة في غرب المتوسط

تسليح الولايات المتحدة للمغرب ليس موجهاً ضد طرف بعينه، بل يندرج ضمن إعادة تشكيل هندسة أمنية جديدة في غرب المتوسط وإفريقيا الأطلسية. فالمغرب، بفضل استقراره، وموقعه، ورؤيته الإفريقية، أصبح بالنسبة لواشنطن شريكاً محورياً لا يمكن تجاوزه.

أما الرسالة الأوضح في هذه المعادلة، فهي أن زمن الدول التي تراهن فقط على الشعارات الإيديولوجية قد انتهى، وأن منطق التحالفات الحديثة يُبنى على الجدارة الاستراتيجية، والاستقرار المؤسسي، والقدرة على التأثير الإقليمي.

وفي هذا السياق، يبدو المغرب رابحاً بهدوء، بينما تعيد المنطقة كلها ترتيب أوراقها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com