الجزائر بين سردية “مكافحة الإرهاب” وهندسة التهديدات: قراءة جيوستراتيجية في توظيف الأمن داخلياً وخارجياً
بوشعيب البازي
في الأنظمة ذات البنية العسكرية المغلقة، لا تكون البيانات الأمنية مجرد أدوات إخبارية، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى آليات لإدارة الشرعية السياسية، وإعادة ترتيب الرأي العام، وتوجيه الانتباه نحو أخطار خارجية أو داخلية تبرر استمرار القبضة الصلبة للدولة. ومن هذا المنطلق، تثير الروايات الرسمية المتكررة الصادرة عن السلطات الجزائرية بشأن مقتل عسكريين في عمليات “مكافحة الإرهاب” أسئلة تتجاوز الحدث الميداني نفسه، لتلامس طبيعة النظام السياسي، ووظيفة المؤسسة العسكرية، وموقع الجزائر داخل التحولات الإقليمية الجارية.
خلال الأشهر الأخيرة، صدرت عن الرئاسة الجزائرية وقيادة الأركان بيانات رسمية تعلن مقتل جنود وضباط في عمليات وصفت بأنها جرت داخل “التراب الوطني”، خصوصاً في مناطق جنوبية نائية أو حدودية، مع التأكيد على أنهم سقطوا أثناء أداء الواجب الوطني في مواجهة “بقايا الجماعات الإرهابية”. وقد رافقت هذه البيانات تغطية إعلامية رسمية مكثفة، اتسمت بلغة بطولية مألوفة في الخطاب السياسي الجزائري منذ تسعينيات القرن الماضي.
غير أن تكرار هذه السردية، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، يفتح المجال أمام تساؤلات جوهرية: هل يتعلق الأمر فعلاً بتهديد إرهابي داخلي قائم، أم أن الأمر يدخل ضمن استراتيجية أوسع لإعادة إنتاج الخطر الأمني بوصفه أداة حكم؟
الإرهاب كعنصر تأسيسي في شرعية النظام
منذ اندلاع الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، تشكلت علاقة عضوية بين المؤسسة العسكرية وخطاب مكافحة الإرهاب. فقد أتاح الصراع المسلح آنذاك للجيش توسيع نفوذه داخل الدولة، وإضفاء شرعية استثنائية على تدخله في المجالين السياسي والمدني. وبعد انتهاء المرحلة الأكثر دموية، لم يختف هذا المنطق، بل أعيد إنتاجه في صيغ جديدة.
فوجود “تهديد دائم” يسمح بالحفاظ على مركزية المؤسسة الأمنية، وتبرير الإنفاق العسكري المرتفع، وتقييد المجال العام، وإضعاف أي مطالب بإصلاح سياسي حقيقي. لذلك، كثيراً ما يُستخدم مصطلح “الإرهابي” في الخطاب الرسمي الجزائري بمرونة واسعة، تشمل جماعات مسلحة فعلية، وأحياناً خصوماً سياسيين أو حركات احتجاجية أو تهديدات مبهمة يصعب التحقق منها.
من الأمن الداخلي إلى الأدوار الإقليمية غير المعلنة
في المقابل، تشير تقديرات متقاطعة لدى دوائر بحثية وأمنية غربية إلى أن جزءاً من التحركات العسكرية الجزائرية لم يعد محصوراً في الداخل، بل أصبح مرتبطاً بمحيطها الإقليمي، خصوصاً في منطقة الساحل، حيث تتشابك المصالح الاستخباراتية، وشبكات النفوذ، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
فالجزائر، التي تقدم نفسها تقليدياً كدولة ترفض التدخل خارج الحدود، تواجه اليوم معادلة جديدة: انهيار بنى الدولة في الساحل، تصاعد نفوذ الفاعلين غير الدولتيين، تمدد الجماعات المتطرفة، وتزايد الحضور الروسي والتركي والغربي. وفي مثل هذا السياق، يصبح من الصعب على أي قوة إقليمية كبرى أن تبقى خارج اللعبة بالكامل.
من هنا، تبرز فرضية استخدام مهام غير معلنة، أو دعم أطراف محلية، أو تشغيل شبكات أمنية موازية، بما يسمح بالتأثير في مسارات الصراع دون تحمل الكلفة السياسية المباشرة. وهي مقاربة ليست حكراً على الجزائر، بل أصبحت سمة من سمات الحروب الرمادية المعاصرة.
صناعة التهديد كأداة للتماسك الداخلي
في الأنظمة التي تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية مزمنة، غالباً ما يُعاد إنتاج “الخطر الخارجي” أو “الخطر الإرهابي” كوسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية. والجزائر اليوم ليست بمنأى عن هذا المنطق، في ظل تحديات مرتبطة بالبطالة، وهشاشة النمو، والاعتماد المفرط على المحروقات، وتراجع الثقة الشعبية في المؤسسات.
وعندما تتراجع قدرة الدولة على تقديم أفق اقتصادي أو سياسي مقنع، يصبح الأمن بديلاً عن التنمية، والخوف بديلاً عن التوافق، والجيش بديلاً عن السياسة. لذلك، لا يمكن فصل أي خطاب أمني رسمي عن البيئة الداخلية التي يُنتج فيها.
الساحل: المجال الحيوي الجديد
من الناحية الجيوستراتيجية، تمثل منطقة الساحل العمق الأمني الطبيعي للجزائر. فالفوضى الممتدة من مالي إلى النيجر وليبيا تضع الحدود الجنوبية الجزائرية أمام تحديات مستمرة: تهريب السلاح، تحركات الجماعات المتشددة، الهجرة غير النظامية، وتنافس القوى الكبرى على الموارد والممرات.
ولهذا، فإن أي نشاط أمني جزائري في تلك المساحة يندرج ضمن منطق حماية المجال الحيوي. غير أن الإشكال يكمن في غياب الشفافية، وازدواجية الخطاب الرسمي الذي يعلن عدم التدخل من جهة، بينما توحي المعطيات الميدانية بحضور أكثر تعقيداً من جهة أخرى.
أزمة نظام أم أزمة سردية؟
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في صحة أو عدم صحة البيانات العسكرية، بل في تآكل المصداقية العامة للمؤسسات. فحين تصبح الرواية الرسمية موضع تشكيك دائم، تدخل الدولة في أزمة ثقة عميقة، ويصبح كل حدث أمني قابلاً للتأويل، وكل تضحية وطنية محاطة بالريبة.
وهذه المعضلة أخطر من أي تهديد إرهابي، لأنها تضرب الرابط الأساسي بين المواطن ومؤسسات الدولة.
تبدو الجزائر اليوم عالقة بين حاجتين متناقضتين: الحاجة إلى تحديث الدولة والانفتاح السياسي، والحاجة إلى الحفاظ على منظومة حكم تأسست تاريخياً على مركزية الجيش والخطر الأمني. وبين هذين المسارين، يستمر توظيف ملف الإرهاب بوصفه أداة سياسية بقدر ما هو ملف أمني.
لكن التجارب الدولية تؤكد أن الدول لا تُدار إلى الأبد عبر سرديات الخوف، وأن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه البيانات العسكرية، بل تصنعه الشرعية السياسية، والتنمية الاقتصادية، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. وفي غياب ذلك، ستظل كل رواية رسمية عرضة للسؤال، وكل أزمة قابلة للعودة في صورة أشد تعقيداً.