مأساة المتوسط المتجددة: غرق مهاجرين صوماليين بين الجزائر وإسبانيا يكشف فشل سياسات الهجرة
بوشعيب البازي
أعلن سفير الصومال لدى الجزائر يوسف أحمد حسن عن مصرع 17 مهاجراً صومالياً على الأقل، بينهم 12 رجلاً وخمس نساء، إثر انقلاب قارب كان يقلهم في المياه الواقعة بين الجزائر وإسبانيا خلال محاولة عبور غير نظامية نحو أوروبا. حادثة مأساوية جديدة تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في الفضاء المتوسطي، حيث يتحول البحر من جسر للتواصل إلى مقبرة مفتوحة للفارين من الفقر والنزاعات وانعدام الأفق.
هذه المأساة لا يمكن قراءتها باعتبارها حادثاً عرضياً فقط، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لتحولات جيوسياسية عميقة تعرفها مناطق القرن الإفريقي والساحل وشمال إفريقيا. فالصومال، الذي يعاني منذ عقود من هشاشة الدولة والصراعات الداخلية والأزمات المناخية، أصبح من أبرز الدول المصدّرة للهجرة القسرية، بينما باتت دول شمال إفريقيا، ومنها الجزائر، محطات عبور رئيسية نحو الضفة الأوروبية.
الجزائر تجد نفسها اليوم في قلب معادلة إقليمية معقدة، بحكم موقعها الجغرافي الرابط بين العمق الإفريقي والواجهة المتوسطية. فامتداد حدودها الجنوبية واتساع سواحلها الشمالية يجعلانها عرضة لتزايد تدفقات الهجرة غير النظامية، في وقت تتنامى فيه الضغوط الأوروبية من أجل تشديد الرقابة على المسارات البحرية والبرية المؤدية إلى القارة العجوز.
أما إسبانيا، التي تمثل أقرب بوابة أوروبية انطلاقاً من شمال إفريقيا، فقد أصبحت وجهة رئيسية لشبكات التهريب التي تستغل يأس المهاجرين. ومع تشديد المراقبة الأمنية وتكثيف الدوريات البحرية، تتجه هذه الشبكات إلى استخدام مسارات أكثر خطورة وقوارب متهالكة، ما يرفع بشكل مستمر عدد الضحايا في عرض البحر.
البعد الإنساني في هذه الفاجعة يظل الأكثر إيلاماً، خصوصاً مع حديث السفير الصومالي عن اتصالات تلقاها من آباء يبحثون عن مصير أبنائهم المفقودين. فخلف كل مهاجر غارق توجد أسرة انتظرت خبراً مطمئناً، لتتلقى بدلاً من ذلك نبأ الوفاة أو الاختفاء. إنها مأساة اجتماعية عابرة للحدود، تختصر حجم اليأس الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
ما يحدث اليوم يؤكد محدودية المقاربة الأمنية الصرفة في معالجة ملف الهجرة. فإغلاق الحدود وتشديد المراقبة لا يوقفان الظاهرة، بل يدفعانها نحو مزيد من السرية والخطورة. المطلوب هو تبني رؤية شاملة تربط بين الأمن والتنمية، وتدعم الاستقرار في دول المصدر، وتفتح قنوات قانونية ومنظمة للهجرة، بما يقلص من نفوذ شبكات الاتجار بالبشر.
حادثة غرق المهاجرين الصوماليين بين الجزائر وإسبانيا ليست مجرد خبر عابر، بل إنذار جديد بفشل السياسات الدولية في إدارة التفاوت العالمي. وإذا استمرت الفوارق الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب، فإن البحر الأبيض المتوسط سيظل شاهداً على مآسٍ متكررة، يدفع ثمنها الأبرياء الباحثون فقط عن فرصة للحياة.