مالي بين ارتدادات الأمن الإقليمي وصراع السرديات: قراءة في ثبات المقاربة المغربية بمنطقة الساحل
بوشعيب البازي
بروكسل: تفرض التطورات الأمنية المتسارعة في جمهورية مالي نفسها مجددًا على أجندة الاهتمام الإقليمي والدولي، ليس فقط بالنظر إلى طبيعة الهجمات التي استهدفت مواقع رسمية مالية، ولكن أيضًا بسبب ما تكشفه هذه الأحداث من تحولات أعمق تمس توازنات منطقة الساحل برمتها. وفي خضم هذا السياق المعقد، برز الموقف المغربي باعتباره امتدادًا لثوابت دبلوماسية راسخة، تقوم على احترام سيادة الدول، ودعم استقرارها، والانخراط المسؤول في جهود مكافحة الإرهاب، بعيدًا عن منطق الاصطفاف الظرفي أو الاستثمار السياسي في الأزمات.
فقد جاءت إدانة الرباط للهجمات الأخيرة في مالي واضحة وصريحة، مقرونة بتعبير رسمي عن تضامن المملكة الكامل مع الدولة المالية ومؤسساتها وشعبها، مع تجديد الالتزام بدعم وحدة مالي الترابية واستقرارها الداخلي. وهو موقف ينسجم مع التصور المغربي للأمن الإفريقي، القائم على أن استقرار الدول الوطنية يمثل شرطًا أساسيًا لبناء فضاء إقليمي متماسك وقادر على مواجهة التحديات العابرة للحدود.
ولم يكن لافتًا فقط مضمون الموقف المغربي، بل كذلك طريقته؛ إذ اختارت الرباط التمسك بخطاب هادئ ومتزن، يركز على المبادئ بدل الانجرار إلى سجالات إقليمية مباشرة، رغم المناخ المتوتر الذي يحيط بالملف المالي. وهذا السلوك يعكس نضجًا دبلوماسيًا يميز السياسة الخارجية المغربية، التي دأبت خلال السنوات الأخيرة على ترجيح منطق المبادرة المؤسساتية على حساب ردود الفعل الانفعالية.
غير أن التطورات الأمنية في مالي لم تبق محصورة في بعدها الميداني، بل سرعان ما انتقلت إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية: ساحة الإعلام وصناعة التصورات. فالمعطيات المتداولة تشير إلى تصاعد حملات موازية تسعى إلى توظيف الوضع الأمني المالي ضمن صراعات النفوذ الإقليمي، من خلال إعادة تشكيل السردية المرتبطة بالأحداث وتوجيهها نحو أهداف سياسية محددة.
وتتمثل إحدى أبرز سمات هذه الحملات في التركيز على إضعاف صورة الدولة المالية، والتشكيك في خياراتها السياسية والدبلوماسية، وإبراز مؤسساتها باعتبارها عاجزة عن ضبط المجال الوطني. وفي هذا الإطار، يرى متابعون أن جزءًا من هذه الأنشطة يندرج ضمن مناورات تواصلية ممنهجة، تعتمد أساليب الحرب النفسية عبر نشر شائعات عن فرار مسؤولين، أو تضخيم الخسائر، أو الترويج لسيناريوهات انهيار مؤسساتي وشيك، بما يهدف إلى تقويض الثقة الداخلية وإرباك الشركاء الخارجيين.
إن هذه الأدوات الجديدة للصراع تكشف أن المعركة في الساحل لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة إدراك وصورة وشرعية. فمن ينجح في فرض روايته للأحداث، يستطيع التأثير في اتجاهات الرأي العام، وفي حسابات الفاعلين الدوليين، وربما في قرارات الاستثمار والدعم الأمني كذلك.
وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بإعادة ترتيب التحالفات. فالتقارب المتزايد بين الرباط وباماكو لم يعد مجرد تفصيل دبلوماسي عابر، بل أصبح يحمل دلالات استراتيجية أوسع، سواء من حيث التعاون الاقتصادي والأمني، أو من حيث التقارب في الرؤى المتعلقة بقضايا السيادة ووحدة الدول. كما أن هذا المسار يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى مواقف بعض الدول الإفريقية المتطورة تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء.
وفي هذا السياق، برزت محاولات لربط ملف أزواد بقضية الصحراء المغربية عبر إسقاطات إعلامية وسياسية تفتقر إلى الأساس الموضوعي. فالفارق بين الملفين جوهري من حيث المرجعيات والسياقات؛ إذ يندرج ملف الصحراء ضمن مسار أممي واضح يستند إلى حل سياسي واقعي وعملي، بينما يرتبط الوضع في شمال مالي بتشابكات داخلية معقدة، تتداخل فيها الحركات المسلحة مع شبكات التهريب والتنظيمات المتشددة والفراغات المؤسساتية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة تبسيطية تسعى إلى إسقاط نموذج على آخر تتجاهل الفوارق البنيوية بين الحالتين، كما تتجاهل الطبيعة المركبة للأزمة في الساحل، حيث تتداخل المسألة الأمنية مع الهشاشة الاقتصادية والتوترات المجتمعية والاختراقات الإرهابية.
وتزداد المخاوف الإقليمية مع بروز مؤشرات على تقاطعات ميدانية بين جماعات انفصالية وتنظيمات إرهابية في بعض مناطق الساحل، وهو ما يجعل من الصعب الفصل بين مطالب سياسية محلية وبين أجندات عنيفة عابرة للحدود. وهذه النقطة بالذات تفسر تشدد عدد من الدول الإفريقية في الدفاع عن وحدة أراضيها، ورفض أي مسارات قد تفضي إلى إنتاج بؤر رمادية جديدة خارج سلطة الدولة.
وفي المقابل، فإن استهداف شركاء مالي، وفي مقدمتهم المغرب والإمارات العربية المتحدة وغيرهما من الداعمين، لا يعكس فقط محاولة لعزل باماكو، بل يكشف أيضًا الوزن المتزايد لهذه الشراكات في معادلة التوازنات الجديدة. فكلما ازدادت أهمية الشريك، تحول إلى هدف لحملات التشويش والضغط.
إن الحالة المالية أصبحت مختبرًا مكثفًا للتحولات التي يعرفها الساحل: تصاعد التهديد الإرهابي، عودة الدولة الوطنية كفاعل مركزي، احتدام التنافس الإقليمي، وصعود الإعلام كسلاح استراتيجي موازٍ. وفي هذا المشهد المعقد، يواصل المغرب ترسيخ مقاربة تقوم على دعم الاستقرار، واحترام السيادة، وتغليب التعاون الإفريقي العملي على منطق الصراعات العقيمة. وهي مقاربة تبدو اليوم أكثر انسجامًا مع حاجات القارة، وأكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات المرحلة.