مالي بين نار الإرهاب وتقاطعات الجغرافيا السياسية مع الجزائر: هل دخل الساحل مرحلة إعادة رسم موازين القوى؟
بوشعيب البازي
لم تكن الهجمات المسلحة المتزامنة التي استهدفت العاصمة المالية باماكو وعدداً من المدن والمراكز الاستراتيجية الأخرى حدثاً أمنياً عادياً في سجل الأزمات المزمنة التي تعيشها منطقة الساحل، بل بدت أقرب إلى رسالة سياسية وعسكرية متعددة الأبعاد، جاءت بعد أيام قليلة فقط من تصريحات وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب بشأن وجود “دول مجاورة” تؤوي جماعات إرهابية أو توفر لها الغطاء والدعم.
تزامن هذا التصعيد مع إعلان “جبهة تحرير أزواد” سيطرتها على مدينة كيدال ذات الرمزية العسكرية والسياسية، وفي سياق إقليمي حساس أعقب قرار باماكو سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وإعلان دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهو ما يمنح التطورات الأخيرة بعداً يتجاوز الداخل المالي، ليضعها في قلب صراع النفوذ المغاربي وإعادة ترتيب التوازنات في الساحل الإفريقي.
هجمات منسقة ورسائل استراتيجية
امتداد العمليات المسلحة من محيط العاصمة باماكو إلى غاو شمالاً، وسيفاري وسط البلاد، ووصولها إلى كاتي القريبة من مقر إقامة الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا، يكشف مستوى عالياً من التنسيق العملياتي، وقدرة استخباراتية ولوجستية لا تتوافر عادة لمجموعات معزولة أو مشتتة.
هذا النمط من الهجمات يوحي بأن البلاد تواجه جيلاً جديداً من التهديدات، يقوم على الجمع بين العمل المسلح، والحرب النفسية، واستهداف رمزية الدولة في توقيت سياسي دقيق. فالهجوم على العاصمة لا يهدف فقط إلى إيقاع خسائر ميدانية، بل إلى إظهار هشاشة السلطة الانتقالية وضرب صورة الدولة المركزية.
كما أن إعلان السيطرة على كيدال، المدينة الواقعة قرب الحدود الجزائرية، يحمل دلالة خاصة، باعتبارها عقدة جيوسياسية في شمال مالي، وفضاءً تاريخياً لتداخل النزعات الانفصالية مع شبكات التهريب والتحالفات القبلية والإقليمية.
كيدال: عقدة الشمال المالي
تمثل كيدال أكثر من مجرد مدينة حدودية. فهي مركز رمزي لطموحات الحركات الأزوادية، ومنطقة شديدة الحساسية بسبب موقعها القريب من الجزائر والنيجر، وارتباطها بممرات تجارية وأمنية غير نظامية تمتد عبر الصحراء الكبرى.
لذلك فإن أي تغير في وضع كيدال ينعكس مباشرة على معادلات القوة في شمال مالي. وإذا صحّت سيطرة المتمردين عليها، فإن ذلك يعني عودة الملف الأزواي إلى واجهة المشهد بعد سنوات من محاولات الاحتواء العسكري والسياسي.
ومن منظور استراتيجي، فإن فقدان السيطرة على كيدال ـ ولو مؤقتاً ـ يشكل ضغطاً كبيراً على باماكو، لأنه يفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك الترابي، ويمنح الجماعات المسلحة نقطة ارتكاز جغرافية يصعب تفكيكها سريعاً.
الجزائر ومالي: من الوساطة إلى التوتر
لعبت الجزائر لعقود دور الوسيط التقليدي في الملف المالي، مستفيدة من حدودها الطويلة مع شمال مالي، ومن علاقاتها التاريخية مع عدد من الفاعلين المحليين. غير أن صعود السلطة العسكرية الجديدة في باماكو منذ 2021 غيّر قواعد اللعبة.
فالقيادة المالية الجديدة باتت تنظر بعين الريبة إلى الدور الجزائري، معتبرة أن بعض أشكال الوساطة تحولت إلى تدخل غير مباشر في الشأن الداخلي، وأن احتضان شخصيات أو مجموعات معارضة يهدد الأمن الوطني المالي.
وقد بلغت الأزمة ذروتها عندما اتهمت باماكو الجزائر علناً بدعم “الإرهاب الدولي”، عقب حادث إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود، في سابقة كشفت عمق التدهور في العلاقات الثنائية.
واليوم، تبدو الهجمات الأخيرة وكأنها تؤكد انتقال الخلاف من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى اختبار النفوذ الميداني.
التحول نحو المغرب وإعادة التموضع الإقليمي
قرار مالي سحب اعترافها بـ“الجمهورية الصحراوية” وتأييدها مبادرة الحكم الذاتي المغربية لم يكن مجرد موقف دبلوماسي منفصل، بل يندرج ضمن إعادة تموضع استراتيجي أوسع تقوم به باماكو.
فالسلطات المالية تسعى إلى تنويع شراكاتها السياسية والأمنية والاقتصادية بعيداً عن الهيمنة التقليدية لبعض القوى الإقليمية. وفي هذا الإطار، يبرز المغرب كفاعل صاعد في غرب إفريقيا والساحل، عبر مقاربة تقوم على الاستثمار، والتكوين الديني، والتعاون الأمني، والدبلوماسية الاقتصادية.
هذا التحول أغضب بلا شك أطرافاً اعتادت احتكار النفوذ في المنطقة، ما يجعل التوقيت الحالي بالغ الحساسية.
واشنطن والاتحاد الإفريقي: القلق من انفلات الساحل
الإدانة السريعة الصادرة عن الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي تعكس إدراكاً متزايداً بأن أي انهيار جديد في مالي لن يبقى محصوراً داخل حدودها. فمالي تقع في قلب فضاء مترابط يمتد إلى النيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر وليبيا.
ومن ثم، فإن زعزعة استقرار باماكو قد تعني تمدد الجماعات المسلحة، وتصاعد موجات النزوح، وتهديد طرق التجارة والطاقة، وفتح مسارات جديدة للهجرة غير النظامية نحو المتوسط.
هل ينجح الجيش المالي في فرض المعادلة؟
إعلان الجيش المالي استعادة السيطرة على الوضع والقضاء على المهاجمين يندرج في إطار معركة ضرورية لاستعادة المعنويات الداخلية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صد هجوم واحد، بل في بناء قدرة دائمة على التحكم في المجال الترابي، وتحقيق مصالحة وطنية، وقطع خطوط الإمداد العابرة للحدود.
فالنجاح العسكري المؤقت لا يكفي إذا بقيت البيئة السياسية والاجتماعية المنتجة للتمرد قائمة، وإذا استمرت المنافسة الإقليمية على الأرض المالية.
ما جرى في مالي خلال الساعات الأخيرة يؤكد أن الساحل الإفريقي دخل مرحلة جديدة، تتقاطع فيها الحروب غير المتماثلة مع صراعات النفوذ الإقليمي والتحولات الدبلوماسية الكبرى.
إنها ليست مجرد معركة بين الجيش وجماعات مسلحة، بل مواجهة حول هوية الدولة، واتجاه تحالفاتها، ومن يتحكم في قلب إفريقيا الغربية. وبين باماكو وكيدال، يُعاد اليوم رسم جزء من الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.