الصحراء المغربية بين التحرك الأمريكي وارتباك الخصوم: هل دخل النزاع لحظة الحسم الجيوستراتيجي؟
بوشعيب البازي
في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوة، وتنامي منطق التسويات الإقليمية المدفوعة باعتبارات الأمن والطاقة والاستقرار، يبدو أن ملف الصحراء المغربية دخل، مرة أخرى، دائرة الاهتمام المباشر للقوى الكبرى، لكن هذه المرة ضمن مقاربة مختلفة تتجاوز مجرد إدارة النزاع نحو البحث عن مخرج سياسي نهائي. المعطيات التي كشفت عنها صحيفة الباييس الإسبانية بشأن تحركات أمريكية مكثفة لإحياء المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد نشاط دبلوماسي اعتيادي، بل باعتبارها مؤشرا على تحوّل نوعي في هندسة هذا الملف داخل الأجندة الاستراتيجية لواشنطن.
فالحديث عن احتضان العاصمة الأمريكية لجولة جديدة من المشاورات خلال شهر ماي الجاري، في سياق تنفيذ مقتضيات القرار الأممي رقم 2797، يفتح الباب أمام فرضية جدية مفادها أن الإدارة الأمريكية باتت تعتبر استمرار هذا النزاع، بصيغته الحالية، عبئا استراتيجيا على التوازنات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا والساحل، خصوصا في ظل التحديات المتصاعدة المرتبطة بالإرهاب العابر للحدود، وشبكات الجريمة المنظمة، والتنافس الدولي على النفوذ في الفضاء الإفريقي.
منذ الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2020، لم يعد موقف واشنطن محكوما فقط بمنطق الحياد الدبلوماسي التقليدي، بل أصبح جزءا من تصور أوسع لإعادة رسم التحالفات الإقليمية وفق محددات جديدة، تضع الاستقرار السياسي والتكامل الاقتصادي فوق حسابات الحرب الباردة الإقليمية. واليوم، يبدو أن هذا الاعتراف يتحول تدريجيا من موقف سياسي إلى أداة ضغط دبلوماسية لإنتاج تسوية واقعية ومستدامة.
الأكثر دلالة في التطورات الأخيرة هو أن مجلس الأمن الدولي شرع، خلال الأيام الأخيرة من أبريل، في مراجعة شاملة لأداء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاما على إنشائها. هذه المراجعة لا ترتبط فقط بالكلفة المالية التي تجاوزت، خلال السنة الماضية، 58 مليون يورو، بل تعكس أيضا تزايد القناعة داخل المؤسسات الأممية بأن النموذج التقليدي لإدارة النزاع بلغ حدوده القصوى.
فبعثة أنشئت في سياق دولي مختلف، وبمنطق سياسي يعود إلى بداية التسعينيات، تجد نفسها اليوم أمام واقع إقليمي جديد، حيث تغيرت موازين الاعتراف الدولي، وتوسعت دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وأصبحت أطروحات الانفصال أكثر عزلة داخل النظام الدولي.
ضمن هذا السياق، تبدو التحركات الأمريكية الحالية أقرب إلى هندسة سياسية متعددة المسارات: مسار أممي رسمي، ومسار ثنائي غير معلن بين الرباط والجزائر، ومسار إقليمي يرتبط بإعادة ضبط التوازنات في المغرب العربي. المعلومات المتداولة بشأن لقاءات تمهيدية في مدريد وواشنطن، تلتها جولة نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو إلى كل من الرباط والجزائر، تؤكد أن واشنطن لم تعد تكتفي بمتابعة الملف، بل دخلت مرحلة إدارة الحل.
الهدف المعلن—أو شبه المعلن—هو التوصل إلى اتفاق إطار قبل أكتوبر المقبل، أي قبل موعد تجديد ولاية المينورسو. وإذا تحقق ذلك، فإن المنطقة قد تكون أمام أول اختراق سياسي حقيقي منذ عقود، يقوم على قاعدة مركزية بات المجتمع الدولي يتعامل معها بواقعية متزايدة: مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأرضية الأكثر قابلية للتطبيق.
غير أن كل دينامية سياسية تولد، بالضرورة، ردود فعل مضادة من الأطراف التي ترى في التسوية تهديدا لمصالحها أو لسرديتها السياسية. ومن هذا المنظور، لا يبدو الحدث الأمني الذي شهدته مدينة السمارة مجرد حادث معزول، بل يمكن قراءته ضمن منطق “التشويش الاستراتيجي” الذي تلجأ إليه التنظيمات أو الكيانات التي تفقد تدريجيا قدرتها على التأثير السياسي.
إن استهداف محيط مدني في هذا التوقيت بالذات يطرح أكثر من سؤال حول الرسائل المراد تمريرها، وحول العلاقة الزمنية الواضحة بين التحرك الدبلوماسي الأمريكي ومحاولات خلق توتر ميداني جديد. وهو سلوك ينسجم مع نمط متكرر منذ إعلان جبهة البوليساريو إنهاء وقف إطلاق النار سنة 2020، حيث غالبا ما تتزامن محاولات التصعيد مع لحظات التقارب الدولي حول الحل السياسي.
وفي العمق، يصعب فصل هذه التطورات عن الدور الجزائري في الملف، ليس فقط باعتبار الجزائر طرفا سياسيا رئيسيا في النزاع، كما كرسته قرارات مجلس الأمن الأخيرة، ولكن أيضا بحكم احتضانها اللوجستي والسياسي للجبهة منذ عقود. لذلك فإن أي تصعيد ميداني جديد يضع الجزائر أمام معادلة دقيقة: إما الانخراط في دينامية التسوية التي ترعاها واشنطن، أو الاستمرار في إدارة نزاع يستنزف المنطقة ويعطل إمكانات التكامل المغاربي.
ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بملف حدودي أو نزاع إقليمي تقليدي، بل بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لشمال إفريقيا. وإذا كانت الولايات المتحدة قد قررت فعلا الانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “صناعة الحل”، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على تسوية تاريخية، أم على جولة جديدة من مقاومة التغيير من قبل الأطراف التي ما زالت تراهن على معادلات فقدت صلاحيتها داخل النظام الدولي الجديد.
في كل الأحوال، يبدو أن ملف الصحراء المغربية لم يعد مجرد قضية إقليمية مؤجلة، بل أصبح جزءا من معادلة أمنية واستراتيجية أوسع، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع رهانات الاستقرار الإفريقي، وهو ما يجعل سنة 2026 مرشحة لأن تكون سنة التحول المفصلي في أحد أطول النزاعات المفتوحة في القارة.