من السمارة إلى مجلس الأمن: كيف تعيد واشنطن رسم قواعد الاشتباك السياسي في ملف الصحراء؟
بوشعيب البازي
لم يكن الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، جنوب المملكة المغربية، مجرد حادث أمني معزول يمكن إدراجه ضمن الخروقات التقليدية لاتفاق وقف إطلاق النار، بل جاء في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، ليضع ملف الصحراء المغربية مرة أخرى في قلب الحسابات الجيوسياسية الكبرى، وليكشف في الآن ذاته عن تحول نوعي في المقاربة الأميركية تجاه طبيعة التهديدات المرتبطة بهذا النزاع الممتد منذ نصف قرن.
فالإدانة الأميركية الرسمية للهجوم، الصادرة عن البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة، لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها موقفاً دبلوماسياً عابراً، وإنما باعتبارها رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد، موجهة إلى مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، ومؤشراً واضحاً على أن واشنطن بدأت تنتقل من مرحلة دعم الحل السياسي نظرياً إلى مرحلة تأطير شروطه عملياً، عبر إعادة تعريف الأطراف المعرقلة لمسار التسوية.
حين تؤكد الولايات المتحدة، بصيغة غير مسبوقة، أن “الأعمال العنيفة تهدد الاستقرار الإقليمي والتقدم المحرز نحو السلام”، وأن “الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار”، فهي عملياً تضع أسس عقيدة سياسية جديدة في التعاطي مع النزاع، قوامها أن الأمن الإقليمي لم يعد منفصلاً عن مستقبل التسوية السياسية، وأن أي طرف يلجأ إلى العمل المسلح خارج منطق الأمم المتحدة قد يجد نفسه قريباً من تصنيفات أكثر صرامة.
هذا التحول يكتسب دلالات أعمق إذا ما تم ربطه بالحراك السياسي داخل الكونغرس الأميركي، خاصة المبادرة التي يقودها السيناتور جو ويلسون والنائب جيمي بانيتا، والرامية إلى إدراج جبهة البوليساريو ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية. فرغم أن هذه المبادرة لم تتحول بعد إلى سياسة رسمية ملزمة، فإن الدعم السياسي المتنامي لها يعكس تحولاً داخل مراكز القرار الأميركية في فهم طبيعة التنظيم، ليس باعتباره مجرد حركة انفصالية ذات امتداد سياسي، وإنما كفاعل مسلح أصبح يوظف العنف كأداة ضغط جيوسياسي.
في هذا السياق، يبدو أن الهجوم على السمارة لم يخدم سوى تسريع هذا التحول. فالعمليات التي تستهدف مناطق مدنية، أو تقع في محيط منشآت أممية، لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الخرق العسكري، بل من زاوية تهديد منظومات الأمن الجماعي، خاصة في منطقة الساحل والصحراء التي تعيش أصلاً على وقع تمدد الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب العابر للحدود.
ومن هنا، فإن الخطاب الصادر عن بعض الخبراء والمتابعين، الذين يرون أن البوليساريو تجاوزت منطق “الميليشيا المتمردة” إلى منطق “العنف المنظم”، يجد اليوم صدى متزايداً داخل الدوائر الغربية، خصوصاً في ظل التداخل المتنامي بين النزاعات الانفصالية والتهديدات غير التقليدية، من إرهاب عابر للحدود، وتهريب السلاح، واختراقات أمنية في العمق الإفريقي.
غير أن ما يضاعف من وقع هذا التطور هو تزامنه مع دينامية دولية غير مسبوقة لصالح مقترح الحكم الذاتي المغربي. فمنذ اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797، بدأت لغة المنتظم الدولي تميل بشكل أكثر وضوحاً نحو الواقعية السياسية، بعيداً عن الأطروحات التي أثبت الزمن محدودية قابليتها للتنفيذ. والإشارة الأميركية الصريحة إلى أن “مقترح الحكم الذاتي يرسم الطريق نحو السلام” لم تعد مجرد إعادة إنتاج للموقف التقليدي لواشنطن منذ اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2020، بل أصبحت اليوم مقرونة بإرادة سياسية لتسريع تنزيل هذا الخيار.
وتكتسب زيارة السفير الأميركي لدى الرباط، ديوك بوكان الثالث، إلى مدينة الداخلة، في إطار مناورات “الأسد الإفريقي”، أهمية استراتيجية خاصة. فالزيارة لا تحمل فقط أبعاداً بروتوكولية أو عسكرية، بل تمثل في جوهرها اعترافاً عملياً بمركزية الأقاليم الجنوبية داخل هندسة الأمن الأطلسي الجديد، خاصة مع تنامي الرهان الأميركي على الساحل وغرب إفريقيا كمجالين حيويين لإعادة تموقع النفوذ الغربي.
فالداخلة لم تعد مجرد مدينة جنوبية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة جيو-اقتصادية ذات امتداد إفريقي وأطلسي، وهو ما يفسر الاهتمام الأميركي المتزايد بمشاريعها المينائية واللوجستية والتنموية، باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية تربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي والأسواق الدولية.
في المقابل، تبدو الهجمات المتفرقة التي تستهدف السمارة أو محيط بعثة “المينورسو” أقرب إلى محاولات يائسة لإعادة إدخال عنصر التوتر إلى ملف يسير بشكل متسارع نحو الحسم السياسي. فكلما اقتربت الأطراف الدولية من تبني مقاربة أكثر واقعية، كلما ارتفعت وتيرة الرسائل العسكرية الرمزية من الطرف الرافض للتحولات الجارية.
غير أن ميزان القوى، سواء ميدانياً أو دبلوماسياً، لم يعد كما كان قبل عقد من الزمن. فالمغرب نجح في فرض معادلة ميدانية مستقرة، قائمة على التحكم الكامل في المجال الترابي، وربط الأمن بالتنمية، وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء للاستثمار الدولي والشراكات العابرة للقارات.
واليوم، مع دخول واشنطن بشكل أكثر وضوحاً إلى مربع الردع السياسي، يبدو أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة: مرحلة لم يعد فيها السؤال المطروح هو أي حل يمكن اعتماده؟، بل كم من الوقت يفصل المجتمع الدولي عن تحويل الحكم الذاتي من مقترح سياسي إلى واقع جيوسياسي نهائي؟
في ضوء هذه المعطيات، لم يعد الهجوم على السمارة مجرد خبر أمني عابر، بل تحول إلى لحظة كاشفة لولادة ميزان إقليمي جديد… ميزان تُرسم معالمه من الرباط، وتُباركه واشنطن، وتراقبه الأمم المتحدة عن كثب.