السمارة في مرمى التصعيد… تقاطع أوروبي–أميركي–فرنسي يعيد تشكيل معادلة النزاع في الصحراء المغربية
مجدي فاطمة الزهراء
في سياق إقليمي يتسم بتعقيد متزايد وتداخل غير مسبوق بين اعتبارات الأمن والتنمية والاستقرار الجيوسياسي، أعادت الهجمات التي استهدفت محيط مدينة السمارة، جنوب المملكة المغربية، ملف الصحراء إلى واجهة النقاش الدولي، ليس فقط باعتباره نزاعاً إقليمياً ممتداً منذ عقود، وإنما كقضية باتت ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الأمن الجماعي في منطقة الساحل والصحراء، وبالتوازنات الاستراتيجية للقوى الغربية داخل شمال أفريقيا.
الهجوم الذي نفذته عناصر تابعة لجبهة البوليساريو، عبر إطلاق ثلاثة مقذوفات سقطت بمحيط المدينة دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية، لم يُقرأ هذه المرة باعتباره مجرد حادث ميداني معزول، بل تحول سريعاً إلى نقطة ارتكاز دبلوماسية استدعت سلسلة مواقف دولية متقاربة في اللغة والمضمون، كشفت عن تحوّل نوعي في مقاربة العواصم الكبرى لهذا النزاع المزمن.
في هذا السياق، جاء موقف الاتحاد الأوروبي واضحاً وحاسماً، بعدما أدان سفير الاتحاد الأوروبي لدى المغرب، ديميتار تزانشيف، الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة، مؤكداً أن الظرفية الراهنة لا تسمح بأي انزلاق نحو التصعيد العسكري، بل تفرض العودة إلى منطق التفاوض والحلول السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة.
تصريح السفير الأوروبي لم يكن مجرد موقف بروتوكولي عابر، بل حمل دلالات سياسية عميقة، خصوصاً حين ربط الموقف الأوروبي بشكل مباشر بقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، الذي أعاد التأكيد على ضرورة الدفع نحو حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف، في إطار مقاربة أممية تقوم على الواقعية السياسية والبراغماتية الدبلوماسية.
الأكثر أهمية في التصريح الأوروبي هو الإشارة الصريحة إلى دعم الاتحاد الأوروبي لمسار الحل القائم على مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، وهو ما يمثل تطوراً لافتاً في خطاب المؤسسات الأوروبية تجاه هذا الملف، ويعكس انتقالاً تدريجياً من الحياد التقليدي إلى تبني رؤية أقرب إلى التصورات التي تدافع عنها الرباط داخل المحافل الدولية.
هذا الموقف الأوروبي لم يأت في فراغ، بل تزامن مع إدانات مماثلة صادرة عن الولايات المتحدة وفرنسا، بما يعكس ما يمكن وصفه بتشكل “جبهة دبلوماسية غربية” موحدة في مواجهة أي محاولات لإعادة عسكرة النزاع.
واشنطن، من جهتها، لم تُخفِ قلقها من تداعيات الهجوم، إذ اعتبرت بعثتها لدى الأمم المتحدة أن الأعمال العسكرية الأخيرة تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوض التقدم المحرز في المسار السياسي، في إشارة واضحة إلى المشاورات التي احتضنتها العاصمة الأميركية خلال شهر فبراير الماضي، والتي سعت إلى تثبيت التهدئة وإعادة إطلاق العملية السياسية.
الأكثر دلالة في الموقف الأميركي كان تجديد التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل “الطريق نحو السلام”، وهي صيغة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد الدعم الدبلوماسي التقليدي، لتكرس من جديد الاعتراف الأميركي المتواصل بجدية وواقعية المقترح المغربي.
باريس بدورها انخرطت في نفس الاتجاه، حيث اعتبرت البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة أن استهداف السمارة يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي ولمسار المفاوضات الذي أطلقه مجلس الأمن عقب تبني القرار 2797. كما دعت فرنسا جبهة البوليساريو إلى احترام وقف إطلاق النار، مطالبة بعثة “المينورسو” بالعمل بتنسيق مع السلطات المغربية لكشف ملابسات الهجمات وتحديد المسؤوليات.
من منظور أكاديمي في العلاقات الدولية، تكشف هذه المواقف المتزامنة عن تحول بنيوي في إدراك القوى الغربية لطبيعة النزاع في الصحراء. فبعد سنوات من التعامل معه باعتباره ملفاً سياسياً ذا بعد قانوني وتاريخي، أصبح يُنظر إليه اليوم من زاوية أمنية واستراتيجية مرتبطة بشكل مباشر بمحاربة الإرهاب، وضبط شبكات التهريب، ومنع تشكل فراغات أمنية قد تستغلها التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
في هذا الإطار، يرى عدد من الباحثين في الجيوبوليتيك أن الدعم الدولي المتزايد للمقاربة المغربية ليس فقط اعترافاً بواقعية مشروع الحكم الذاتي، بل أيضاً تعبير عن قناعة متنامية داخل العواصم الغربية بأن استمرار النزاع في وضعه الحالي لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في الساحل الأفريقي، وتراجع فعالية الهياكل الأمنية التقليدية في المنطقة.
كما أن الرسائل السياسية التي حملتها الإدانات الغربية الأخيرة توحي بأن أي تحرك عسكري جديد خارج منطق الشرعية الدولية قد يواجه مستقبلاً بتشدد أكبر داخل مجلس الأمن، وربما بإعادة توصيف طبيعة النزاع قانونياً في حال استمرار استهداف المناطق المدنية أو شبه المدنية.
في المقابل، يبدو المغرب اليوم في موقع دبلوماسي أكثر قوة من أي وقت مضى، مستفيداً من شبكة دعم دولية تتوسع تدريجياً، ومن مقاربة تقوم على الجمع بين تثبيت الأمن الميداني، والانخراط في التنمية الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، والحفاظ على الانخراط الإيجابي داخل المسار الأممي.
وعليه، فإن هجوم السمارة، رغم محدوديته العسكرية، قد يتحول سياسياً إلى لحظة مفصلية في مسار هذا النزاع، ليس لأنه أعاد التوتر إلى الواجهة، بل لأنه كشف بوضوح أن المزاج الدولي بدأ يميل بشكل أكثر صراحة نحو دعم الحلول الواقعية، ورفض منطق التصعيد، وترجيح كفة الاستقرار على حساب حسابات الحرب المفتوحة.
وفي عالم تعاد فيه صياغة التحالفات وفق منطق الأمن والمصالح الاستراتيجية، تبدو الصحراء المغربية اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى أن تُحسم دبلوماسياً… لا في ساحات المواجهة، بل على طاولات القرار الدولي.