المغرب وتمارين “الأسد الأفريقي 2026”: حين تتحول المملكة إلى منصة إفريقية للحرب الذكية والسيادة التكنولوجية

بوشعيب البازي

لم تعد المناورات العسكرية الكبرى في العالم مجرد استعراض للقوة النارية أو اختبار للجاهزية العملياتية للقوات المسلحة، بل أصبحت مختبرات استراتيجية لإعادة تعريف مفهوم الحرب ذاته في عصر الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والهيمنة المعلوماتية. وفي هذا السياق، حملت نسخة سنة 2026 من مناورات “الأسد الأفريقي” التي احتضنتها المملكة المغربية رسائل تتجاوز بكثير بعدها التدريبي التقليدي، لتؤكد أن الرباط لم تعد فقط شريكاً عسكرياً موثوقاً لواشنطن في شمال أفريقيا، بل باتت تتجه بخطى مدروسة نحو التموقع كقطب إقليمي للحرب الذكية والابتكار الدفاعي داخل القارة الإفريقية.

فالنسخة الحالية من أكبر تمرين عسكري متعدد الجنسيات في القارة، والتي أُسدل الستار على فعالياتها الجمعة، كشفت عن تحول نوعي في طبيعة العقيدة العملياتية المعتمدة، من خلال الإدماج المكثف للذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة والسيطرة المتقدمة، وتكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الاستخدام الموسع للطائرات بدون طيار في بيئات قتالية معقدة ومتعددة الأبعاد.

غير أن التطور الأكثر دلالة في هذه النسخة تمثل في تنظيم أول أكاديمية عسكرية متخصصة في تشغيل وتخطيط عمليات الطائرات المسيّرة بمدينة أغادير، في سابقة غير مسبوقة بتاريخ مناورات “الأسد الأفريقي”. هذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد نشاط تدريبي ظرفي، بل باعتبارها مؤشراً واضحاً على انتقال المغرب من منطق الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية إلى منطق إنتاجها، وتوطينها، وتصدير خبراتها داخل المجال الإفريقي.

المعطيات الصادرة عن الجيش الأمريكي تؤكد أن الدورة اعتمدت مقاربة تكوينية مزدوجة؛ الأولى خصصت لمخططي العمليات على مدى ثمانية أيام، والثانية لمشغلي الأنظمة المسيرة على مدى عشرة أيام، تحت إشراف مباشر من قيادة التدريب السابعة للجيش الأمريكي. وشارك في هذه التجربة ضباط وعسكريون من المغرب، الولايات المتحدة، غانا، ونيجيريا، في بيئة تدريبية جمعت لأول مرة بين المحاكاة النظرية والتطبيق الميداني الحي.

لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في بعدها التقني فقط، وإنما في رمزيتها الجيوستراتيجية. فاختيار مدينة أغادير، واحتضان مقر المنطقة الجنوبية لهذا البرنامج، يحمل دلالات مرتبطة بإعادة تشكيل الخريطة الأمنية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة تمثل أحد أكثر أدوات الردع فعالية في مواجهة الجماعات المسلحة، وشبكات الجريمة العابرة للحدود، وتحديات مراقبة المجالات الصحراوية الشاسعة.

لقد كشفت الحروب الأخيرة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، أن من يمتلك القدرة على التحكم في الطائرات المسيّرة، ومعالجة البيانات الآنية، وتنسيق المجال الجوي في الزمن الحقيقي، يمتلك عملياً جزءاً كبيراً من معادلة الحسم العسكري. وهو ما يبدو أن المغرب استوعبه مبكراً، ليس فقط عبر اقتناء هذه الأنظمة، بل عبر بناء منظومة متكاملة تشمل التدريب، التشغيل، الصيانة، التصنيع، والتطوير.

وفي هذا الإطار، يكتسب الإعلان الذي صدر عن الجنرال الأمريكي كريستوفر دوناهو، قائد القوات الأمريكية في أوروبا وإفريقيا، بشأن مشروع إنشاء مركز إقليمي للتدريب على الدرونات بالمغرب، أهمية استراتيجية استثنائية. فمثل هذا القرار لا يُبنى على اعتبارات ظرفية أو بروتوكولية، بل يعكس قراءة أمريكية عميقة لمكانة المملكة داخل معادلة الأمن الإفريقي.

واشنطن تدرك أن المغرب يتوفر على عناصر لا تجتمع بسهولة في محيطه الإقليمي: استقرار سياسي مؤسساتي، بنية تحتية صناعية متقدمة، خبرة تراكمية في قطاعات الطيران والسيارات، موقع جغرافي يتحكم في واجهتين بحريتين، وشبكة علاقات اقتصادية وأمنية متنامية داخل العمق الإفريقي. وهي عناصر تجعل من المملكة مرشحاً مثالياً لاحتضان أول منصة قارية متخصصة في التدريب على أنظمة الحرب غير المأهولة.

غير أن الرهان المغربي يتجاوز البعد العسكري الصرف. فالرباط تبدو اليوم بصدد بناء نموذج جديد للسيادة الدفاعية قائم على التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا. خلال السنوات الأخيرة، اتجهت المملكة إلى عقد شراكات صناعية مع فاعلين دوليين كبار في مجال الصناعات الدفاعية، من بينها الشركة التركية “بايكار”، إضافة إلى شركات متخصصة في الأنظمة الجوية غير المأهولة، بما يؤسس تدريجياً لظهور قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة الدولية.

هذا التوجه يعكس تحولاً في الرؤية الاستراتيجية المغربية: من دولة مستوردة للمنظومات الدفاعية إلى دولة تسعى إلى التحكم في دورة الابتكار العسكري كاملة، من التصميم إلى التصنيع ثم التصدير.

وعلى المستوى الإفريقي، تبدو الفرصة مواتية أكثر من أي وقت مضى. فالقارة تعرف طلباً متزايداً على تكنولوجيا الطائرات بدون طيار لأغراض أمن الحدود، مراقبة المنشآت الحيوية، مكافحة الإرهاب، والاستجابة للكوارث. وفي حال نجح المغرب في تثبيت موقعه كمركز إقليمي للإنتاج والتكوين، فإنه لن يعزز فقط أمنه القومي، بل سيعيد رسم موازين النفوذ التكنولوجي داخل إفريقيا.

ما يحدث اليوم في “الأسد الأفريقي 2026” ليس مجرد مناورة عسكرية عابرة، بل هو إعلان غير مباشر عن ولادة عقيدة دفاعية مغربية جديدة، عقيدة تقوم على الجمع بين القوة الصلبة، والذكاء الاصطناعي، والابتكار الصناعي، والدبلوماسية الأمنية.

وفي عالم تُحسم فيه الحروب قبل إطلاق الرصاصة الأولى، عبر الخوارزميات، والأقمار الصناعية، والطائرات غير المأهولة، يبدو أن المغرب اختار ألا يكون مجرد متابع للتحولات… بل أحد صانعيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com