في سياق دولي يتّسم بإعادة تشكيل موازين القوة وتفكك أنماط التحالفات التقليدية، يكتسي ما كشفه تحقيق موقع Defense News حول تسجيل 167 رحلة جوية عسكرية بين روسيا والجزائر خلال عام واحد، دلالات تتجاوز البعد الإخباري إلى مستوى القراءة الجيوستراتيجية العميقة. فالمعطى، في حد ذاته، لا يعكس مجرد صفقات تسليح تقليدية، بل يشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة الشراكة العسكرية بين البلدين، وإلى إعادة تموضع الجزائر داخل معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
من التبعية إلى الشراكة الاستراتيجية
لطالما ارتبطت العقيدة العسكرية الجزائرية بالمدرسة السوفياتية، وهو ارتباط استمر حتى بعد نهاية الحرب الباردة، حيث ظلت موسكو المزوّد الرئيسي للجيش الجزائري بأكثر من نصف احتياجاته العسكرية. غير أن ما يكشفه التقرير الأخير هو انتقال تدريجي من علاقة “الزبون-المورّد” إلى شراكة أكثر تعقيدًا، تقوم على اقتناء أنظمة تسليح متقدمة، وربما أيضًا على أدوار لوجستية ووظيفية داخل شبكة النفوذ الروسي.
إذ إن الحديث عن مقاتلات من الجيل الخامس مثل Sukhoi Su-57، إلى جانب منصات أخرى مثل Sukhoi Su-35، يضع الجزائر ضمن دائرة ضيقة من الدول التي تحظى بإمكانية الوصول إلى تكنولوجيا عسكرية عالية الحساسية. وهو ما يعكس، من جهة، مستوى الثقة الروسية، ومن جهة أخرى، حاجة موسكو إلى شركاء موثوقين في ظل العزلة الغربية المتزايدة منذ اندلاع Russian invasion of Ukraine.
الجزائر كمنصة لوجستية نحو إفريقيا
الأكثر أهمية في هذا المعطى ليس فقط حجم الرحلات، بل طبيعتها ومساراتها. فالتقرير يشير إلى استخدام الأراضي الجزائرية كنقطة عبور نحو عمق القارة الإفريقية، بما في ذلك دول مثل غينيا والنيجر. هذا البعد يفتح الباب أمام فرضية تحوّل الجزائر إلى محور لوجستي في الاستراتيجية الروسية بإفريقيا، خصوصًا في ظل تراجع النفوذ الفرنسي وصعود الفاعلين الجدد، سواء كانوا دولًا أو شركات أمنية خاصة مثل Wagner Group.
هذا التحول يعيد رسم خريطة النفوذ في الساحل والصحراء، حيث يمكن للجزائر أن تلعب دور الوسيط أو “المنصة الخلفية” للعمليات الروسية، سواء كانت عسكرية مباشرة أو غير نظامية. وهو دور يحمل في طياته فرصًا لتعزيز المكانة الإقليمية، لكنه في الوقت ذاته ينطوي على مخاطر التورط في صراعات معقدة ومتعددة الأطراف.
قراءة في التكتيك: إخفاء المسارات وتعقيد التتبع
من اللافت في التقرير الإشارة إلى لجوء الطائرات الروسية إلى تعطيل أنظمة التتبع أو تقديم بيانات مضللة حول مساراتها. هذا السلوك يعكس بوضوح حساسية العمليات المنجزة، ويشير إلى إدراك موسكو والجزائر معًا لطبيعة الرصد الغربي المكثف. كما أنه يعكس انتقالًا من منطق الصفقات المعلنة إلى دينامية عملياتية أقرب إلى “اللوجستيك الرمادي”، حيث تختلط الأنشطة العسكرية بالتكتيكات الاستخباراتية.
تداعيات إقليمية: سباق تسلح أم إعادة توازن؟
على المستوى الإقليمي، من شأن هذه التطورات أن تعيد إحياء النقاش حول سباق التسلح في شمال إفريقيا. فامتلاك الجزائر لمنظومات متقدمة، سواء جوية أو دفاعية مثل S-400 missile system، قد يدفع فاعلين إقليميين آخرين إلى تسريع برامج التحديث العسكري، ما يعزز من منطق الردع المتبادل، لكنه يرفع أيضًا من منسوب التوتر الاستراتيجي.
غير أن القراءة الأكثر دقة قد تذهب في اتجاه مغاير: فبدل سباق تسلح تقليدي، نحن أمام عملية “إعادة توازن” تفرضها تحولات النظام الدولي، حيث تسعى الدول المتوسطة القوة، مثل الجزائر، إلى تأمين استقلالية قرارها الاستراتيجي عبر تنويع وتحسين قدراتها العسكرية.
بين الطموح والمخاطر
في المحصلة، يكشف هذا المعطى عن لحظة مفصلية في مسار السياسة الدفاعية الجزائرية، لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة مع حسابات النفوذ، وتتشابك فيها الاعتبارات الإقليمية مع التوازنات الدولية. غير أن هذا التموقع الجديد، رغم ما يوفره من أوراق قوة، يضع الجزائر أمام اختبار دقيق: كيف يمكن تعظيم المكاسب الاستراتيجية دون الانزلاق إلى أدوار قد تتجاوز قدراتها أو تعرّضها لضغوط دولية متزايدة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، ملامح الدور الجزائري في إفريقيا والمتوسط خلال العقد القادم.