السمارة تُحرج الجزائر: كيف دفعت هجمات “البوليساريو” المجتمع الدولي إلى إعادة تعريف النزاع في الصحراء؟
بوشعيب البازي
في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها رهانات الأمن مع التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء، وجدت جبهة “البوليساريو” نفسها أمام موجة غير مسبوقة من الإدانات الدولية، عقب تبنيها للهجمات التي استهدفت مناطق مدنية بمدينة السمارة يوم 5 ماي 2026. غير أن ارتدادات هذه التطورات لم تتوقف عند حدود الجبهة الانفصالية، بل امتدت بصورة ضمنية إلى الجزائر، التي أصبحت، أكثر من أي وقت مضى، في مواجهة أسئلة دولية محرجة بشأن علاقتها بتنظيم مسلح يتحرك من فوق أراضيها ويهدد الأمن الإقليمي.
لقد شكّلت الهجمات على السمارة نقطة تحول نوعية في مقاربة عدد من العواصم الغربية والعربية لملف الصحراء المغربية. فالإدانة الأمريكية السريعة لم تكن مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل حملت في مضمونها مؤشرات واضحة على تحوّل متدرج في النظرة إلى طبيعة التهديدات المرتبطة بالمنطقة. وسرعان ما التحقت بها مواقف فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا، إلى جانب دول خليجية مؤثرة مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين، في مشهد يعكس تبلور قناعة دولية مفادها أن منطق العمل المسلح لم يعد مقبولا في سياق النزاعات الإقليمية المعاصرة.
الأخطر في هذه المواقف ليس فقط إدانتها الصريحة للهجمات، بل ما تحمله ضمنيا من تحميل للمسؤولية السياسية للدولة الحاضنة. فالجزائر، التي تستضيف قيادة “البوليساريو” فوق أراضيها، وتؤمن لها فضاء التحرك والتمويل والدعم اللوجستي، تجد نفسها اليوم أمام واقع دبلوماسي أكثر تعقيدا، خصوصا وأن الهجوم انطلق من مناطق تخضع عمليا لنفوذها الاستراتيجي. ومن هنا، فإن الصمت الرسمي الجزائري بعد الهجوم لم يُقرأ دوليا باعتباره حيادا، بل اعتُبر مؤشرا على حرج سياسي عميق وعجز عن التحكم في دينامية فاعل مسلح بات يهدد التوازنات الأمنية بالمنطقة.
هذا التحول في الخطاب الدولي لا يمكن فصله عن السياق الجيوستراتيجي الأشمل الذي تعيشه منطقة الساحل والصحراء. فالعواصم الغربية، التي تواجه تمدد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، باتت تنظر إلى أي تنظيم مسلح خارج منطق الدولة باعتباره تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن تبني “البوليساريو” لعمليات تستهدف مناطق مدنية يضعها، لأول مرة بهذا الوضوح، داخل المنطقة الرمادية الفاصلة بين “حركات الانفصال” والتنظيمات المهددة للأمن الجماعي.
ولعل الرسالة الأكثر دلالة جاءت من السفارة الأمريكية بالجزائر، التي أعادت نشر موقف واشنطن الداعي إلى إنهاء الوضع الراهن، معتبرة أن استمرار النزاع لم يعد يخدم مصالح أي طرف. لكن القراءة المتأنية للبيان تكشف أن الرسالة كانت موجهة بالأساس إلى الجزائر، خاصة عندما تحدثت الإدارة الأمريكية عن “الأطراف التي تعرقل السلام”، في إشارة ضمنية إلى القوى التي ما تزال تراهن على إدامة النزاع بدل الدفع نحو تسوية سياسية واقعية.
وفي العمق، تدرك واشنطن أن الجزائر ليست مجرد “مراقب” في هذا الملف، كما تحاول تقديم نفسها دبلوماسيا، بل فاعل مركزي في هندسة القرار الانفصالي. فكل جولات التفاوض التي جرت في مدريد وواشنطن أكدت أن القرار السياسي والعسكري لـ”البوليساريو” يظل مرتبطا بالسلطة الجزائرية، وهو ما يفسر حضور وزير الخارجية أحمد عطاف شخصيا في مختلف المسارات التفاوضية، باعتباره ممثلا للطرف المؤثر الحقيقي في النزاع.
هذا المعطى يفسر أيضا تنامي النقاش داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول إمكانية تصنيف “البوليساريو” تنظيما إرهابيا. فرغم أن هذا الطرح ظل لسنوات حبيس بعض الدوائر المحافظة داخل الكونغرس، إلا أن هجوم السمارة أعاد إحياءه بقوة، خاصة في ظل المناخ الدولي الراهن الذي يربط بين الأمن الإقليمي ومكافحة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
وفي حال مضت واشنطن فعليا في هذا المسار التشريعي، فإن التداعيات لن تكون مقتصرة على “البوليساريو” وحدها، بل ستطال الجزائر بصورة مباشرة، باعتبارها الدولة التي تستضيف الجبهة وتوفر لها الدعم السياسي واللوجستي. ووفق المنظور الأمريكي لمكافحة الإرهاب، فإن أي دولة تحتضن تنظيما مصنفا إرهابيا أو تموّله أو توفر له غطاءً سياسيا، تصبح تلقائيا موضوعة ضمن دائرة الاشتباه الاستراتيجي.
هنا تحديدا تكمن خطورة اللحظة الراهنة بالنسبة للجزائر. فالنظام الجزائري الذي حاول، لعقود، تسويق نفسه باعتباره طرفا “غير معني” بالنزاع، يجد نفسه اليوم أمام معادلة جديدة: إما الانخراط الجدي في حل سياسي قائم على الواقعية التي يمثلها مقترح الحكم الذاتي المغربي، وإما مواجهة عزلة دبلوماسية متصاعدة قد تتحول تدريجيا إلى عبء استراتيجي ثقيل في علاقاته مع القوى الغربية.
لقد تغير العالم كثيرا منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم تعد الأطروحات الانفصالية المسلحة تجد الحاضنة نفسها داخل النظام الدولي. فالأولوية اليوم للاستقرار، ولحماية الممرات الاستراتيجية، ولمواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يقترب أكثر من حسم قناعته بأن استمرار النزاع المفتعل حول الصحراء لم يعد مجرد قضية سياسية، بل أصبح مصدرا محتملا لعدم الاستقرار الإقليمي في منطقة تعيش أصلا على إيقاع هشاشة أمنية متفاقمة.
ومن ثم، فإن هجمات السمارة لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل لحظة كاشفة لتحول عميق في طريقة تعاطي المنتظم الدولي مع هذا الملف. تحول قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي: الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق محاصرة مصادر التهديد المرتبطة به.