حين يتحول العمل القنصلي إلى رسالة إنسانية: القنصلية المغربية بأنتويرب تنجح في إنقاذ كرامة مواطنة مغربية بعد وفاتها في ظروف صعبة
بوشعيب البازي
في زمن تُقاس فيه فعالية المؤسسات بحجم الملفات الإدارية التي تعالجها أو بعدد الوثائق التي تصدرها، هناك لحظات استثنائية تكشف المعنى الحقيقي للعمل الدبلوماسي والقنصلي، لحظات يصبح فيها الواجب الإداري رسالة إنسانية قبل أن يكون مجرد اختصاص قانوني. هذا تماماً ما جسدته القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة أنتويرب البلجيكية، في قضية إنسانية مؤثرة تتعلق بمواطنة مغربية فارقت الحياة في ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة، دون أن تكون هويتها العائلية أو روابطها الأسرية معروفة لدى السلطات المحلية.
فور توصل المصالح القنصلية المغربية بالإشعار المتعلق بوفاة المواطنة المغربية، انطلقت سباقاً حقيقياً مع الزمن، ليس فقط من أجل استكمال الإجراءات القانونية المعتادة، بل حفاظاً على كرامة الراحلة وصوناً لحقها الإنساني والديني في دفن يليق بها وفق الشعائر الإسلامية.
مصادر مطلعة أكدت أن فريق القنصلية المغربية بأنتويرب تعبأ لأيام متواصلة، حيث تم فتح قنوات بحث متعددة، شملت مراجعة المعطيات الإدارية المتوفرة، التواصل مع مختلف الجهات المختصة داخل بلجيكا، وربط الاتصالات بالمغرب من أجل الوصول إلى أحد أفراد أسرة الفقيدة أو أي قريب يمكنه تأكيد الهوية واستكمال المساطر القانونية الضرورية.
هذا الجهد المتواصل لم يكن سهلاً، خاصة وأن الحالة كانت معقدة بسبب محدودية المعطيات المتوفرة في البداية. غير أن الإصرار المهني والبعد الإنساني الذي أبان عنه الطاقم القنصلي أثمر في نهاية المطاف عن التوصل إلى أخت المرحومة ، وهو المعطى الحاسم الذي مكن من تأكيد الهوية الرسمية للفقيدة، واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية المطلوبة.

وبفضل هذا التدخل السريع والفعال، تم تفادي سيناريو كان سيشكل صدمة كبيرة لعائلتها ولأفراد الجالية المغربية، ذلك أن القانون البلجيكي في بعض الحالات التي يتعذر فيها التعرف على هوية المتوفى أو العثور على ذويه، قد يفتح المجال أمام اعتماد إجراءات جنائزية بديلة، من بينها الحرق، وهو ما يتعارض مع التعاليم الإسلامية ومع ثقافة المغاربة.
نجاح القنصلية المغربية بأنتويرب في هذه المهمة الإنسانية مكن في نهاية المطاف من دفن الراحلة بالمقبرة الإسلامية بمدينة أنتويرب، في جنازة تحفظ كرامتها وتراعي معتقدها الديني، وتمنح لعائلتها حق الوداع الذي كاد أن يضيع بسبب تعقيدات الملف.
ما حدث ليس مجرد ملف قنصلي عادي، بل نموذج حي للدور الحقيقي الذي تضطلع به التمثيليات المغربية بالخارج، خاصة في القضايا الإنسانية الحساسة التي تتطلب أكثر من ختم إداري أو توقيع رسمي. إنه عمل صامت، بعيد عن الأضواء، لكنه يحمل في تفاصيله قيمة كبيرة بالنسبة لأفراد الجالية المغربية الذين يدركون أن خلف أبواب القنصلية يوجد أحياناً من يسهر على حماية الكرامة الإنسانية حتى بعد الرحيل.
في مثل هذه المواقف، يصبح العمل القنصلي امتداداً للوطن… ليس فقط في الحياة، بل حتى في لحظات الوداع الأخيرة.