الخارجية المغربية أمام اختبار الحزم: من يحمي هيبة القنصليات من تجاوزات بعض الأعوان المحليين؟
مجدي فاطمة الزهراء
قبل ثلاثة أسابيع، نُشر مقال مطول يسلط الضوء على اختلالات وتجاوزات مفترضة داخل القنصلية المغربية بمدينة لييج البلجيكية، متحدثاً عن سلوكيات إدارية غير منسجمة مع روح الإصلاح الذي تبنته الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة. غير أن ما أثار الانتباه أكثر من مضمون المقال نفسه، هو الصمت الذي تلاه. فلا توضيح رسمي صدر، ولا فتح تحقيق معلن، ولا حتى إشارة إلى أن الإدارة المركزية تابعت ما يُتداول حول مؤسسة تمثل الدولة المغربية فوق التراب الأوروبي.
هذا الصمت يطرح اليوم أسئلة عميقة داخل أوساط الجالية المغربية، وحتى داخل بعض الأطر الإدارية نفسها: هل أصبحت بعض القنصليات فضاءات مغلقة خارج منطق المحاسبة؟ وهل وصل الأمر إلى درجة يشعر فيها بعض الأعوان المحليين بأنهم فوق أي مراقبة أو مساءلة؟
في علم الإدارة الحديثة، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد البلاغات الرسمية، بل بسرعة تفاعلها مع الشبهات التي تمس صورتها. أما ترك الاتهامات المتداولة دون تدقيق أو توضيح أو افتحاص، فهو يخلق انطباعاً خطيراً لدى الموظفين والرأي العام معاً: أن الإدارة لا تتحرك إلا حين تصبح الفضيحة أكبر من أن تُخفى.
الأخطر في الأمر، أن استمرار هذا الصمت قد يُفهم داخل بعض البعثات القنصلية كرسالة غير مباشرة مفادها أن كل شيء مباح، وأن بعض الأعوان المحليين قادرون على بناء شبكات نفوذ داخل المؤسسات دون خوف من المحاسبة، حتى عندما يتعلق الأمر باستغلال الصفة الوظيفية أو التأثير على السير العادي للمرفق العمومي.
وهنا يبرز السؤال السياسي والإداري الأكثر حساسية:
هل وزارة الشؤون الخارجية المغربية عاجزة فعلاً عن وضع حد لمثل هذه الخروقات؟ أم أن هناك ضغوطاً أو توازنات غير معلنة تجعل بعض الملفات “مؤجلة” رغم خطورتها على صورة الدولة؟
فمن الصعب تصور أن إدارة بحجم وزارة الخارجية، التي تقود واحدة من أنشط الدبلوماسيات في المنطقة تحت قيادة وزير الخارجية ناصر بوريطة، لا تتوفر على آليات للتتبع والتقييم والافتحاص الداخلي. كما يصعب تصديق أن التقارير أو الشكايات أو ما يُنشر إعلامياً لا يصل إلى المصالح المركزية بالرباط.
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه بإلحاح:
هل الوزير ناصر بوريطة على علم بما يقع داخل بعض القنصليات، أم أن مديري الأقسام والمصالح المركزية أصبحوا يتفادون رفع الملفات الحساسة خوفاً من الاصطدام بشبكات نفوذ معينة أو تفادياً لتحمل مسؤولية اتخاذ قرارات حاسمة؟
إن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بعون محلي أو موظف بعينه، بل بثقافة إدارية كاملة قد تتشكل تدريجياً حين تغيب المحاسبة. فحين يرى موظفون آخرون أن لا أحد يتحرك رغم تداول معطيات خطيرة تمس التدبير الإداري أو صورة المؤسسة، فإن ذلك يفتح الباب أمام مزيد من التسيب، ويضعف هيبة الدولة داخل مرافقها بالخارج.
وإذا كانت الدولة المغربية قد نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة دبلوماسية قوية على المستوى الدولي، خاصة في ملفات استراتيجية كبرى، فإن الحفاظ على هذه الصورة يبدأ أيضاً من التفاصيل اليومية داخل القنصليات والسفارات. لأن المواطن المغربي في الخارج لا يقيس قوة الدولة بخطابات الأمم المتحدة فقط، بل بطريقة استقباله داخل القنصلية، وبمدى احترام القانون داخل الإدارة التي يفترض أنها تمثله وتحمي مصالحه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أي مؤسسة سيادية، هو تحول بعض الأشخاص إلى “مراكز قوة” موازية، تُقدم نفسها كحلقة إلزامية للوصول إلى القرار، أو كجهة قادرة على التأثير في الملفات والعلاقات والتعيينات. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الوسطاء، بل بمنطق المؤسسات والقانون والشفافية.
كما أن استمرار الحديث عن تدخل بعض الأعوان المحليين في ملفات حساسة، أو استعمال العلاقات الشخصية والجمعوية والإعلامية لبناء نفوذ داخل القنصليات، يطرح تحدياً حقيقياً أمام وزارة الخارجية: هل ستتحرك لحماية صورة الإدارة المغربية، أم ستترك الأمور تتفاقم إلى أن تتحول إلى أزمة علنية يصعب احتواؤها؟
إن عدم التدخل اليوم قد تكون له كلفة أكبر غداً. لأن التهاون مع الاختلالات الصغيرة داخل المؤسسات السيادية يتحول مع الوقت إلى ثقافة إفلات من العقاب، ويبعث برسالة سلبية ليس فقط للجالية المغربية، بل حتى للموظفين النزهاء داخل السلك القنصلي الذين ينتظرون دعماً واضحاً لمنطق القانون والانضباط.
المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام مسبقة، بل تفعيل مبدأ بسيط تقوم عليه كل الإدارات الحديثة: ربط المسؤولية بالمحاسبة. فإما أن ما يُتداول غير صحيح، وهنا من حق الرأي العام توضيح رسمي ينهي الجدل، وإما أن هناك فعلاً اختلالات تستوجب تحقيقاً إدارياً شفافاً وإجراءات واضحة تعيد الاعتبار للمؤسسة.
فهيبة الدولة لا تُبنى فقط عبر الدبلوماسية الكبرى، بل أيضاً عبر قدرة مؤسساتها على تصحيح أخطائها من الداخل. والقنصليات المغربية، باعتبارها واجهة للمغرب في الخارج، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إدارة قوية، منضبطة، وشفافة، لا تسمح بتحويل المرفق العمومي إلى فضاء نفوذ شخصي أو منطقة خارج المحاسبة.