بين تحوّل المقاربة الأممية وصعود الواقعية الجيوسياسية: المغرب يعيد رسم معادلة الصحراء داخل الأمم المتحدة
بوشعيب البازي
لم يعد النقاش حول قضية الصحراء المغربية يُدار داخل أروقة الأمم المتحدة بنفس الأدوات السياسية أو المرجعيات القانونية التي حكمته خلال العقود الماضية. فالمتغيرات الدولية المتسارعة، وتحولات موازين القوى، وصعود مقاربات الأمن الإقليمي والاقتصاد الجيوسياسي، دفعت الملف إلى مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: الواقعية السياسية بدل الجمود الإيديولوجي. وفي هذا السياق جاءت مداخلة السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، خلال أشغال الندوة الإقليمية للجنة الـ24 المنعقدة في ماناغوا بنيكاراغوا، لتؤكد أن استمرار إدراج ملف الصحراء ضمن جدول أعمال لجنة تصفية الاستعمار لم يعد منسجما مع التطور المؤسساتي والسياسي الذي شهده الملف داخل مجلس الأمن الدولي.
الموقف المغربي لم يكن مجرد اعتراض إجرائي أو ملاحظة بروتوكولية، بل يعكس تحولا عميقا في فلسفة التعاطي مع النزاع. فالمغرب يعتبر أن قضية الصحراء خرجت فعليا من الإطار التقليدي المرتبط بتصفية الاستعمار، وأصبحت تُعالج حصريا باعتبارها قضية مرتبطة بالسلم والأمن الدوليين، وهو ما يفسر إشراف مجلس الأمن المباشر عليها في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة.
ويستند المغرب في هذا الطرح إلى المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تمنع الجمعية العامة وهيئاتها الفرعية من التدخل في القضايا المعروضة أمام مجلس الأمن، إلا بطلب منه. ومن هنا يرى المغرب أن استمرار لجنة الـ24 في تناول الملف بات يطرح إشكالا قانونيا وسياسيا، خصوصا في ظل التحول الواضح الذي عرفه موقف مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة.
لقد شكل القرار الأممي رقم 2797 محطة مفصلية في مسار النزاع، ليس فقط لأنه أعاد التأكيد على مركزية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الجاد وذي المصداقية، بل لأنه أيضا رسخ تحولا في طبيعة الخطاب الأممي ذاته. فمجلس الأمن لم يعد يتحدث بلغة الاستفتاء أو تقرير المصير بالمفهوم الكلاسيكي الذي ظلّت جبهة بوليساريو تتمسك به لعقود، بل انتقل إلى مقاربة قائمة على “الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم والقائم على التوافق”.
هذا التحول ليس معزولا عن السياق الدولي الراهن. فالعالم يعيش اليوم على وقع إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية الكبرى؛ من أمن الطاقة إلى سلاسل الإمداد، ومن الهجرة العابرة للحدود إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وفي هذا المناخ الدولي الجديد، أصبحت منطقة الساحل والصحراء تمثل إحدى أكثر البؤر الجيوسياسية حساسية بالنسبة للقوى الدولية، وهو ما منح المغرب موقعا متقدما باعتباره فاعلا محوريا في معادلات الاستقرار الإقليمي.
فالرباط لم تعد تقدم نفسها فقط كطرف في نزاع إقليمي، بل كقوة استقرار إقليمي تمتلك مشروعا تنمويا وأمنيا متكاملا في أقاليمها الجنوبية، مدعوما باستثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقات المتجددة والربط الأطلسي الإفريقي. وهذا المعطى يفسر جزئيا التحول المتنامي في مواقف عدد من الدول الكبرى، التي باتت تنظر إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الخيار الأكثر قدرة على ضمان الاستقرار في منطقة تعاني أصلا من هشاشة أمنية مزمنة.
ومن هنا يمكن فهم الإشارات القوية التي حملتها مداخلة عمر هلال، حين أكد أن المرحلة الحالية لم تعد تسمح باستمرار المقاربات التقليدية أو إدامة حالة الانتظار السياسي. فالمغرب يتحرك اليوم بمنطق الدولة الواثقة من تحولات البيئة الدولية، والمقتنعة بأن الزمن الدبلوماسي بات يعمل لصالحها، خاصة في ظل الاعترافات المتزايدة بمغربية الصحراء والدعم الواسع الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي، والتي يؤيدها أكثر من 130 بلدا عبر العالم.
الأهم في التحرك المغربي الأخير أنه يعكس انتقال الرباط من مرحلة الدفاع الدبلوماسي إلى مرحلة إعادة هندسة النقاش الأممي نفسه. فالمغرب لم يعد يكتفي بالرد على الأطروحات الانفصالية، بل يسعى إلى إعادة تعريف الإطار المرجعي الذي يُناقش داخله الملف داخل الأمم المتحدة. وهذا تحول إستراتيجي بالغ الأهمية، لأنه ينقل المعركة من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى الشرعية المؤسساتية والقانونية.
كما أن مشاركة منتخبين محليين من جهتي الداخلة – وادي الذهب والعيون – الساقية الحمراء ضمن الوفد المغربي تحمل بدورها دلالات سياسية عميقة. فهذه الخطوة تمثل تكريسا لمقاربة التمثيلية الديمقراطية المحلية داخل الأقاليم الجنوبية، وتؤكد أن الساكنة المحلية أصبحت جزءا مباشرا من الترافع الدولي حول مستقبل المنطقة، في مقابل تراجع الصورة التقليدية التي كانت تمنح جبهة بوليساريو احتكار الحديث باسم الصحراويين داخل بعض المنابر الأممية.
وفي المقابل، تبدو الأطروحة الانفصالية اليوم أمام تحديات غير مسبوقة، ليس فقط بسبب التراجع الدبلوماسي الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة، بل أيضا نتيجة التحولات الدولية التي جعلت القوى الكبرى أقل استعدادا لدعم مشاريع الانفصال في البيئات الجيوسياسية الهشة. فالمجتمع الدولي أصبح أكثر حساسية تجاه مخاطر تفكيك الدول الوطنية، خاصة بعد التجارب الفوضوية التي عرفتها مناطق متعددة من العالم.
إن ما يجري اليوم داخل الأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء ليس مجرد سجال دبلوماسي عابر، بل هو تعبير عن انتقال تدريجي من مرحلة “إدارة النزاع” إلى مرحلة البحث عن تسوية نهائية مبنية على توازنات القوة والواقعية السياسية. وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في تحويل ملف الصحراء من قضية نزاع إقليمي جامد إلى ورقة قوة جيوستراتيجية داخل معادلات الأمن والاستقرار الإقليميين.
وبينما يواصل مجلس الأمن تكريس مقاربة الحل الواقعي، تبدو لجنة الـ24 أمام اختبار سياسي وقانوني حقيقي: هل تستمر في التعامل مع الملف بمنطق يعود إلى حقبة الحرب الباردة، أم تنخرط في التحول العميق الذي تعرفه المقاربة الأممية الجديدة؟
ذلك هو السؤال الذي بات يفرض نفسه اليوم داخل الأمم المتحدة، في وقت يتحرك فيه المغرب بثقة متزايدة نحو تثبيت سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية، مستندا إلى دينامية دولية تبدو، أكثر من أي وقت مضى، في صالح الرؤية المغر
.
:::