المينورسو بين إعادة الهيكلة واقتراب الحسم السياسي: هل يدخل نزاع الصحراء المغربية مرحلته الأخيرة؟

بوشعيب البازي

لم يعد ما يجري داخل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) مجرد إجراءات إدارية مرتبطة بترشيد النفقات أو إعادة توزيع الموارد البشرية، بل بات يعكس تحولا أعمق في المقاربة الدولية لنزاع الصحراء المغربية، أحد أقدم النزاعات الإقليمية المدرجة على أجندة الأمم المتحدة منذ عقود. فإغلاق المستشفى الميداني في العيون، وتقليص عدد الموظفين، وسحب بعض الوسائل اللوجستية، وإعادة تقييم نقاط المراقبة العسكرية، كلها مؤشرات تتجاوز بعدها التقني لتطرح سؤالا جوهريا: هل بدأت المنظمة الأممية التحضير لمرحلة ما بعد المينورسو بصيغتها الحالية؟

منذ تأسيسها سنة 1991، ارتبط وجود المينورسو بهدفين رئيسيين: مراقبة وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو، والإشراف على تنظيم استفتاء لتقرير المصير. غير أن التطورات السياسية والقانونية التي شهدها الملف خلال العقود الثلاثة الماضية أفرغت الهدف الثاني من محتواه العملي، بعدما اصطدمت عملية تحديد الهيئة الناخبة بإشكالات قانونية وديموغرافية معقدة جعلت خيار الاستفتاء غير قابل للتنفيذ.

وفي المقابل، شهدت السنوات الأخيرة صعود مقاربة جديدة داخل مجلس الأمن الدولي تقوم على البحث عن “حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق”، وهي الصيغة التي أصبحت تتكرر بشكل شبه حرفي في جميع قرارات المجلس المتعلقة بالنزاع، بما يعكس تحولا تدريجيا من منطق تدبير الأزمة إلى منطق تسوية الأزمة.

مراجعة استراتيجية أم تغيير في فلسفة المهمة؟

إطلاق مجلس الأمن لمراجعة استراتيجية شاملة لولاية المينورسو لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي تعرفها البيئة الدولية. فالأمم المتحدة تواجه منذ سنوات ضغوطا مالية متزايدة دفعتها إلى إعادة تقييم عدد من بعثات حفظ السلام عبر العالم، خاصة تلك التي تحولت إلى بعثات طويلة الأمد دون تحقيق اختراق سياسي ملموس.

وفي هذا السياق، تبدو المينورسو نموذجا واضحا لهذا النوع من البعثات. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الانتشار الميداني، لم يعد السؤال المطروح داخل الدوائر الأممية يتعلق بكيفية الإبقاء على البعثة، بل بكيفية جعل وجودها أكثر انسجاما مع الواقع السياسي الجديد الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة.

وتشير المؤشرات المتوفرة إلى أن المراجعة الجارية لا تستهدف إنهاء مهمة البعثة بشكل فوري، وإنما إعادة تعريف أدوارها بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة المقبلة. فبدل التركيز على إدارة وقف إطلاق النار فقط، قد تتحول المينورسو تدريجيا إلى آلية مواكبة لمسار سياسي أكثر وضوحا، خاصة إذا ما نجحت القوى الكبرى في بلورة توافق دولي حول إطار نهائي للحل.

الدعم الدولي للحكم الذاتي يغيّر قواعد اللعبة

من الناحية الجيوسياسية، يصعب فصل هذه التطورات عن التحول الذي طرأ على مواقف عدد من القوى الدولية الكبرى تجاه النزاع. فالولايات المتحدة تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية إطارا جادا وواقعيا وذا مصداقية، بينما انتقلت فرنسا من مرحلة الدعم السياسي التقليدي للمغرب إلى مرحلة أكثر وضوحا في الدفاع عن المبادرة المغربية داخل المؤسسات الدولية.

كما أن الاعترافات والمواقف المتزايدة الداعمة لمغربية الصحراء من قبل دول إفريقية وعربية وأمريكية لاتينية أسهمت في تغيير موازين القوى الدبلوماسية المرتبطة بالملف. وبات واضحا أن المبادرة المغربية لم تعد مجرد مقترح تفاوضي ضمن خيارات متعددة، بل أصبحت بالنسبة إلى عدد متزايد من الفاعلين الدوليين الإطار الأكثر قابلية للتطبيق لإنهاء النزاع.

هذا التحول ينعكس بشكل مباشر على دور المينورسو نفسها. فكلما اقترب المجتمع الدولي من تبني حل سياسي محدد المعالم، تقلصت الحاجة إلى بعثة صُممت أساسا لمواكبة مسار استفتاء أصبح خارج التداول العملي.

تندوف في قلب المعادلة الجديدة

في المقابل، تضع هذه التحولات جبهة البوليساريو والجزائر أمام تحديات متزايدة. فالمسار الذي استندت إليه الأطروحة الانفصالية لعقود طويلة كان يقوم على فرضية إجراء استفتاء لتقرير المصير، وهي فرضية تراجعت تدريجيا من الخطاب الأممي الرسمي لصالح البحث عن تسوية سياسية تفاوضية.

ومع تنامي الدعوات الدولية لإجراء إحصاء دقيق لسكان مخيمات تندوف وتعزيز الرقابة على الأوضاع الإنسانية والأمنية داخلها، قد يصبح هذا الملف أحد أبرز عناصر الضغط خلال المرحلة المقبلة. فالمجتمع الدولي بات ينظر إلى المخيمات ليس فقط باعتبارها قضية إنسانية، وإنما باعتبارها أيضا عنصرا مؤثرا في الأمن الإقليمي بمنطقة الساحل والصحراء التي تشهد تصاعدا غير مسبوق للتهديدات الإرهابية وشبكات الجريمة العابرة للحدود.

من إدارة النزاع إلى هندسة التسوية

القراءة الجيوستراتيجية للمشهد الحالي توحي بأن المجتمع الدولي بدأ يقترب من نقطة التحول التي طال انتظارها. فبعد عقود من إدارة النزاع والحفاظ على حالة اللاسلم واللاحرب، يبدو أن القوى المؤثرة داخل مجلس الأمن تسعى إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة عنوانها البحث عن تسوية قابلة للتنفيذ.

ولا يعني ذلك أن الحل النهائي أصبح وشيكا أو أن العقبات السياسية قد اختفت، لكن المؤكد أن البيئة الدولية لم تعد كما كانت قبل عشر سنوات. فالتوازنات الجيوسياسية الجديدة، والضغوط المالية على الأمم المتحدة، والتحولات الأمنية في منطقة الساحل، وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، كلها عوامل تدفع في اتجاه إعادة صياغة المقاربة الأممية للملف.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار ما يحدث داخل المينورسو اليوم مؤشرا على بداية نهاية مرحلة تاريخية أكثر منه مجرد عملية إعادة هيكلة إدارية. فحين تبدأ الأمم المتحدة في تقليص أدوات إدارة النزاع، فإن ذلك غالبا ما يعكس اقتناعا متزايدا بأن الحل السياسي أصبح أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

ويبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار الدوليين: هل ستكون مراجعة أكتوبر المقبلة مجرد تعديل تقني جديد في ولاية المينورسو، أم أنها ستشكل الخطوة الأولى نحو هندسة تسوية نهائية لأحد أكثر النزاعات تعقيدا واستمرارا في القارة الإفريقية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل البعثة الأممية، بل أيضا مستقبل التوازنات الجيوسياسية في منطقة المغرب العربي والساحل خلال العقود المقبلة

::

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com